21
لذلك كان من الأوفق عدم إدخال هذه المسألة في علم أصول الدين كلية، لا للعوام ولا للخواص؛ فالعوام لهم حاضرهم وعقائدهم لمواجهة مشاكل عصرهم، والخواص لديهم العلم النافع لإرشاد العوام؛ فلا تدخل هذه المسألة ضمن التعليم أو تدرج في المصنفات والآثار؛ لأن التعليم لا يكون إلا بما ينفع، وبما يمس مصالح الأمة في كل عصر.
22 (2-3) هل هناك تفضيل بين الصحابة؟
وقد لا يكون التفضيل بين الأفراد، بل يكون بين المجموعات والأصناف، أو بلغة القدماء بين الطبقات، فهناك مراتب للرفاق، كل مجموعة سابقة في مرتبة أعلى من المجموعة اللاحقة، فالأولون الأولون، والسابقون السابقون. وتتفاوت مراتب الفضل في الزمان ابتداء من عصر النبوة إلى عصر الخلافة. وهناك خمس مراتب: الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرون بالجنة (منهم الخلفاء الأربعة، أي الستة الباقون)، والبدريون الذين شاهدوا أحدا، وأهل بيعة الرضوان بالحديبية. وقد لا تعني المشاهدة الحضور الفعلي، بل يمكن الحضور أجرا؛ أي من له فضل المشاركة بالمال أو بالتأييد بالنية ولكن منعته الظروف من الحضور. وقد تتداخل المراتب ويكون الإنسان في الوقت نفسه خليفة ومن العشرة المبشرين بالجنة وبدريا وأحديا ومن أهل بيعة الرضوان، وذلك مثل الخلفاء الأربعة. وإذا كان فضل الأربعة الأوائل قربهم من الرسول، فإنما كان ذلك عارضا تاريخيا محضا عن طريق بيعة الأمة وعقدها على واحد منهم تباعا، وكان يمكن لعارض تاريخي آخر، كالاغتيال أو الموت أو الاستشهاد، أن يغير نظام الأسبقية في الزمان. أما العشرة المبشرون بالجنة، فإن ذلك يدل على مجرد التعبير عن الاستحقاق؛ لأن الحساب لم يتعد بعد، وإلا كان مصادرة على المطلوب، مصادرة على حق الله، حتى ولو تم ذلك من الرسول. والتبشير في الدنيا مثل الشفاعة في الآخرة مضاد لقانون الاستحقاق. وفضل أهل بدر هو بداية القتال بين الثورة الجديدة وبين النظام القديم، والتحول من الدعوة السلمية إلى الكفاح المسلح. أما فضل أهل أحد فهو الثبات في القتال واستئنافه بمزيد من الطهارة الثورية دونما نظر لمصلحة أو كسب دنيوي. أما أهل بيعة الرضوان فهو الثبات حتى في أضعف لحظاتها، والقدرة على مواصلتها بوسائل أخرى. ولكن ماذا عن الشهداء في كل عصر؟ ولماذا يكون شهيد الحق نصير ثورات المحرومين والمظلومين أقل فضلا من الثوار الأوائل في معارك الثورة الأولى؟ وهل الإنسان مسئول عن وقت قدومه إلى الدنيا والعصر الذي عاش فيه، أم أن مسئوليته في تقبله لها في أي عصر وجد وفي أية معركة فرضت عليه؟ وإن الاختلاف على هذا الترتيب، وإدخال من صلوا إلى القبلتين في مراتب الفضل الأولى، يدل على أن الموضوع كله حكم قيمة لا سند له من الوحي أو العقل أو الواقع.
23
ومما يدل على أن التفضيل حكم قيمة أو موقف نفسي خالص أن أهل بدر ليسوا فقط من الإنس، بل أيضا من الجن ومن الملائكة، يحاربون مع المسلمين. وقد تدخل الملائكة الذين شهدوا بدرا في التفضيل، ليس فقط مع باقي الصحابة في هذا التصور التدرجي المقل للفضل، ولكن أيضا مع باقي الملائكة التي لم تشاهد بدرا. وكأن مشاهدة الملائكة لبدر قرار حر تستحق عليه الثواب، وأن بلاءهم بناء على جهد وفيه مخاطرة واستشهاد يستحقون عليه الخلود. وإذا كانت الملائكة قد تدخلت في نصر بدر، فما فضل أهل بدر؟ وإذا كان الله أنزل على الأعداء النعاس والمطر والرعب في قلوبهم، فالمعركة غير متكافئة، فلا المنتصر قد انتصر، ولا المهزوم قد هزم. وإذا كان عدد الإنس في بدر ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا، وعدد الجن والملائكة ثلاثة آلاف، فالنصر يرجع للملائكة وليس لأهل بدر، وقد بلغت الملائكة حدا من القوة تجعلها قادرة على إتمام النصر بأنفسها دونما حاجة إلى بشر يقطفون ثماره، فالملك الواحد يقلع الأرض! ويبدو الخيال الشعبي في تصورهم عددا وعدة وركبا ولباسا وألوانا، فتمثلوا برجال بيض على خيل بلق عمائمهم بيض مرخية على ظهورهم، أو سود أو صفر أو حمر أو خضر، وكأنهم على أنواع مختلفة الألوان، صوف أبيض على نواصي الخيل وأذنابها كدليل على عظمة الركب، ثم جاء جبريل على فرس أحمر، وعليه درعه، ومعه رمحه، كقائد مبارز مبرز. رمى أحد الأعداء بحجر فكسر رباعيته، فلم يولد من نسله إلا أهتم أبجر، وكأن العيب الخلقي متوارث، الأهتم يلد أهتم! ثم دخلت في وجنته حلقتان أخرجهما أحد المؤمنين بأسنانه فسقطت، فكان أحسن الناس هتما. وكأن جبريل وهو بهذه القوة في حاجة إلى من يخرج الحلقتين من وجنته من بشر فان! وهل يصاب جبريل أصلا؟ وإنه ليصاب بحلقتين وهما أكرم من الحجارة، وأكثر زينة للوجنتين. وهل هناك فرق بين هتم من حجارة قبيح وهتم حسن من نزع الأسنان للحلقتين من وجنة جبريل؟ ويدخل الرسول مع الملائكة لإجراء المعجزات مع أنه ليس إلا بشرا، معجزته إعجاز القرآن. وإذا كان الرسول قد تنبأ بمواقع الشهداء على الأرض ومصارعهم، فلماذا لم تحفظهم الملائكة إذا كانت قادرة على الحرب؟ وإذا كان الرسول قد أخذ من الحصى كفا فرمى به المشركين فأصاب أعينهم فانهزموا، فما الحاجة إلى الملائكة أو الجن أو الإنس؟ وإذا كان الرسول قادرا على أن يقلب العرجون سيفا، ورد الشق إلى الوجه، ورد العين المفقودة، فالأولى كان حمايتها منذ البداية.