تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما دخلت الملائكة في تفضيل الأنبياء كذلك تدخل الحور العين مع تفضيل النساء والبنات، وكأن التفضيل ليس بين بشر، بل بين بشر وملائكة، وهو ما يخرج عن طاقة البشر. وإذا كانت وظيفة الحور العين متعة أهل الجنة، فهل يدخلن في التفضيل على المستوى نفسه مع نساء النبي وبناته؟ وكما أن الحور العين لسن حملة علم، وليس لهن فضل جهاد، فإن نساء النبي وبناته لسن لهن جمال الحور العين ولا حسنهن، ولا يشاركن في وظائفهن.

7

وعلى فرض إمكانية التفضيل بين الإناث، فأيهن أكثر فضلا، نساء النبي أم بناته؟ اللائي رافقنه في حياته وأصبحن جزءا منه روحا وبدنا، أم اللائي من صلبه وتربيته واللائي لهن حظ من صحبته ورفقته؟ وهل هناك مثل من حنت عليه لحظة نزول الوحي، والتي ظل يذكرها حتى آخر لحظة من العمر؟ وهل هناك مثل من أعطته حب الحياة، والتي أعادت إليه شبابه وعشقه؟ وهل هناك مثل من شغفته حبا بجمالها ونصاعتها وأنوثتها؟ ولكن هناك أيضا من صلبه من كان لها فضل العلم وزوجة الإمام الرابع، ومن صلبها خرج الأئمة أصحاب العلم والفضل. ولكن فضل الأئمة من صلبها لا يرجع إلى الأم وحدها، ابنة النبي، بقدر ما يرجع أيضا إلى الأب صهره وابن عمومته. وهل الفضل يكون للمجموعات والأصناف، نساء النبي أم بناته، أم للأفراد؟ فإذا كان للأفراد، فهل يكون للأفراد داخل كل مجموعة وصنف؛ ففي مجموعة النساء، هل الفضل للتي راعته وحنت عليه وقوته وشجعته وقت نزول الوحي، وأعطته عمرها ونضجها بعده، والتي كانت أم بناته، والتي لم يختلف معها يوما واحدا، وكان أمينا على أموالها وتجارتها؟ هل الفضل يرجع لمنافستها لصغر سنها وطفولتها وبراءتها، والتي أعطت حب الحياة، والتي عشقها، والتي أدخلت عليه السرور والفرح وهو في أواخر العمر بالرغم من نزول حديث الإفك بمناسبتها، ودخولها حربا ضد الصحابة، ومعاداتها للخليفتين الأول والثاني، ومحاربتها الخليفة الرابع؟ هل الفضل يرجع إلى من كانت بمثابة الأنثى والتي أعطته متعة الحياة ومباهجها؟ ولماذا من البنات لم تبرز إلا واحدة، وهي زوجة الخليفة الرابع، دون غيرها؟ هل يرجع الفضل في ذلك إلى زوجها لأنها كانت أقرب بناته إليه؟ وهل بين البنات من هو أقرب إلى قلب الأب؟ إن العواطف لا تنقسم حسابيا وتوزع رياضيا بالتساوي، سواء من الأبناء أم مع الزوجات. أما التوجيهات النقلية فما أكثرها في كل زوجة وفي كل ابنة، سواء صحت روايتها أم ضعفت، كما هو الحال في الصحابة والأخبار المروية في فضلهم. وماذا عن نصوص الوحي التي تجعل «مريم» أفضل نساء العالمين؟ وماذا عن باقي نساء الأنبياء مثل امرأة لوط، أو حتى عن باقي نساء العالمين اللاتي شهد لهن الوحي بالفضل والعواطف الإنسانية مثل امرأة فرعون؟ وماذا عن أمهات الأنبياء اللائي شهد الوحي لبعضهن بالفضل مثل أم موسى؟ ألم يذكر آخر الأنبياء أيضا أمه والتي لا يتذكرها بالمدح والثناء؟ إن دخول ذلك كله في العقائد المتأخرة يجعل الموضوع كله تعبيرا عن تخلف الأمة، وأنها جعلت من اللاعقائد أساسا للعقائد، وتركت التوحيد للتفضيل بين نساء النبي وبناته! وقد تدخل نساء الصحابة في التفضيل مع نساء الأنبياء ونساء النبي وبناته، وكأن الأمر مسابقة جماعية في الفضل بين النسوة!

8 (2-2) هل هناك تفضيل بين الخلفاء الأربعة؟

إذا كان الرسول هو أفضل الأمة بفعل الرسالة والتبليغ، ولأنه قدوة في السلوك، فإن أول خيط التفضيل من بعده يتمثل في الخلفاء الأربعة، الخلفاء الراشدين الذين يتدرجون في الفضل من الخليفة الأول حتى الخليفة الرابع، فينهار التاريخ شيئا فشيئا، ولكن يظل، وبرغم قتل ثلاثة منهم غيلة، وبالرغم من الفتنة في أيام الخليفة الرابع، يظل الانهيار محصورا دون هبوط شديد أو انكسار حاد. يبدأ السقوط إذن من ترتيب الإمامة في التاريخ على هذا النحو المتدرج طبقا لمراتب الفضل. ولكل إمام لقب؛ فالأول الصديق لأنه صدق الرسول، والثاني الفاروق لأنه عدل يفرق بين الحق والباطل، والثالث ذو النورين، نور القرابة ونور الخلافة، والرابع المرتضى الذي رضي الله عنه. وإذا كانت الإمامة بها صلاح الدنيا، ويجوز تولية المفضول دون الأفضل، يكون التفضيل إذن لا معنى له؛ لأن مقياس الإمامة ليس الفضل الفردي، بل رعاية مصالح الناس وتدبير الشئون العملية التي قد ينجح فيها من هو أقل فضلا. ما يتطلبه الإمام العدل والتدبير حتى وإن لم يكن أعلم القوم؛ نظرا لاعتماده على أهل العلم في الاجتهاد والفتيا.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٨٥