4
إن التفضيل بهذا المعنى هو حكم قيمي خالص، إسقاط من النفس على الواقع وعلى الأشياء. إنما الفضل يأتي بالاستحقاق بناء على عمل تكليف يتوافر فيه شرطاه؛ العقل والحرية. ويكون التفضيل في الأفعال بناء على عدة أوجه؛ فالتفضيل في ماهية العمل أن يكون العمل هو ماهية استكمال للفروض والنوافل، وألا يكون العمل هو غيره أو عملا بلا ماهية. ويكون فضل العمل بمقدار طهارة قصده وصدق نيته، خالصا لوجه الله دونما كسب خاص أو طلب مديح من الناس. ولا يتعارض صدق النية مع تحقيق المصالح العامة؛ لأن مقاصد الشرع ابتداء، والتي من أجلها وضع، تقوم على الحفاظ على الضروريات الخمس؛ الدين والنفس والعقل والعرض والمال. ويفضل العمل كيفا؛ أي استيفاؤه جميع حقوقه، ونقاؤه وعدم خلطه بأية شوائب، من صغائر أو كبائر. كما يفضل العمل كما ومقدارا، سواء كان فرضا أم نافلة، واجبا أم ندبا. وقد يفضل في الزمان مثل إتيان الصلوات في أوقاتها، فورا لا تراخيا، اقتضاء لا قضاء، في أول الوقت وليس في آخره خشية النسيان. وقد يعني ذلك الفضل في الأسبقية في الإسلام وفي الجهاد وفي التطوع وفي الصدقة، فالسابقون السابقون. ويفضل الفعل في المكان لا بمعنى الشيء، ولكن بمعنى الصحبة، كما تفضل الصلاة مع الفضلاء وأهل العلم نظرا لما يتبع ذلك من زيادة في العلم قبل الصلاة وبعدها دون أن يكون من بينهم نبي؛ نظرا لانتهاء النبوة واكتمال الوحي. أما فضل صلاة نبي على صلاة غير نبي فلا تعني إلا التركيز؛ وبالتالي ترجع إلى الفضل كيفا.
5 (2) التفضيل بداية الانهيار
فإذا كانت هناك مقاييس للتفضيل، فعلى من يتم تطبيقها في الأفراد أو في الجماعات أم الأمم؟ فإذا جاز تطبيقها في الأفراد، فمن هم؟ هل يدخل فيهم نساء النبي وبناته، أم يقتصر الأمر على خلفائه وصحبه؟ وإذا كان الفضل في الجماعات، فهل يكون الفضل للصحابة على التابعين، وللتابعين على تابعي التابعين؟ وإذا كان الفضل للقرون، فهل يكون للقرن الأول فالثاني فالثالث حتى نصل إلى قرننا فيكون أقل القرون فضلا؟ وإذا كان الفضل للعلماء وحدهم، فأي علماء، وفي أي علم؟ وإذا كان العلماء حراس الأمة فلا فرق بينهم وبين حراس الثغور، رفقة الفكر والسلاح. (2-1) هل هناك تفضيل في نساء النبي وبناته؟
إذا كانت القرابة للرسول نسبا ومصاهرة ليست مقياسا للتفضيل، فإن نساء النبي وبناته باعتبارهن من أقربائه أو من صلبه لا تنطبق عليهما مقاييس التفضيل، إنما يمكن اعتبارهن صحابة من أقربائه مثل باقي صحابة الرسول، أعملن علمه، ونقلن عنه، وشهدن الانتشار الأول للإسلام. القرابة ليست مقياسا للتفضيل، فهناك أقرباء للرسول لم يؤمنوا به ونافقوه وعادوه. هل إبراهيم صبيا أفضل من باقي الصحابة؟ وهل أمومة نساء النبي وبناته للمسلمين تقتضي لهن فضلا أكثر مما لسائر الأمهات بكون الجنة تحت أقدامهن بفعل الحمل والتربية والرعاية؟ وإذا لازمته نساء النبي وبناته النبي في حياته الخاصة والعامة، فإن الصحابة لازموه في حياته العامة، ولم يكن يخفي عنهم شيئا من حياته الخاصة. وإن الحياة العامة للرسول لأكثر أهمية للأمة من حياته الخاصة، مع أنها قدوة في السلوك. ولا تزيد نساء النبي وبناته في معرفة الشريعة عن الصحابة شيئا؛ فالكل لازمه وصاحبه واستمع إليه. والوحي تم تبليغه للعامة والخاصة، وهو الأساس. ليس لآل البيت فضل على الصحابة، وليس للرسول كرامة أو شفاعة بفعل قرابته لأحد أو قرابة أحد إليه. كل إنسان بعمله استحقاقا بما في ذلك الرسول نفسه. وكيف يكون لإبراهيم الفضل وهو الصبي الصغير الذي لم يبلغ الحلم على بنات النبي ونسائه لو كان للقربى فضل؟
6
وقد يتعارض هذا التفضيل مع بعض الأخبار الأخرى التي تجعل من الرجال البالغين كل الفضل دون الصبية الصغار؛ وبالتالي قد يرجع تفضيل الصبية على الذكور إلى وضعهم المتميز عند الأعراب على مستوى العواطف والمتعة. قد يكون سبب ذلك بعض التوجهات المعتمدة على بعض الأخبار والروايات التي تجعل للرجال على النساء درجة، أو التي تصف النساء بأنهن ناقصات عقل ودين، أو عدم فلاح القوم الذين يولون عليهم امرأة، ولكن أليست هذه الدرجة وهذا النقص وهذه القيادة في الدنيا لا في الآخرة لتدبير أمور المعاش، وليس لفضل في الثواب؟ وحتى لو صحت هذه التوجهات النقلية، هل يعني ذلك أن للصبي الذي لم يبلغ الحلم الفضل على النساء البالغات العاقلات اللاتي منهن حملة العلم، واللائي هن أفضل نساء العالمين؟ وإن لم تصح هذه التوجهات النقلية، فربما نشأ هذا الوضع في تفضيل النساء من رد فعل على وضعهن في الجاهلية. وإذا استمرت الجاهلية في بعض جوانبها، فقد يكون ذلك رد فعل على كبت وحرمان، سواء كان في الجاهلية أو ما بعدها في مجتمع الذكور. وقد يدل ذلك على تخلف عام في اعتبار النساء جنسا في مقابل الرجال كجنس آخر، وتتناوب المقابلة في التفضيل بين الأعلى والأدنى.