تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

ولكن الأهم من ذلك قسمة المنكر من حيث المضمون إلى قسمين؛ الأول: ما يختص به ويقع به الاعتداد، مثل غصب فقير ليس له إلا درهم واحد، وهو منهي عنه عقلا وشرعا؛ لأنه سلب لما يقيم به أوده، ونهب لحد الكفاف منهي عنه عقلا لأنه دفع للضرر، ومنهي عنه شرعا لأن خير أمة أخرجت للناس لا يكون هكذا وضعها في التفاوت بين الأغنياء والفقراء. وما يختص به ولا يقع الاعتداد به، مثل غصب غني له أموال قارون درهما، وهو غير منهي عنه عقلا إن كان منهيا عنه شرعا. ولما كان العقل أساس النقل، فإنه يكون غير منهي عنه. وإن السرقة من الغني أقرب إلى إعادة توزيع الدخل بين الطبقات. والثاني: ما يتعداه، وهو المنهي عنه عقلا وشرعا، ولا يحتاج في ذلك إلى تدبير واجتهاد. فالنهي عن المنكر يتوجه أساسا إلى الأوضاع الاجتماعية التي يحكمها توزيع الدخول وتفاوتها بين الطبقات. وقد ينقسم المنكر إلى قسمين آخرين؛ الأول: ما يتغير حاله بالإكراه ويقع ضرره عليه فقط، مثل سرقة الدرهم من خفير. والثاني: ما لا يتغير حاله بالإكراه ويتعدى الضرر إلى الغير، كسرقة الفقراء ونهب العاملين واستغلالهم وسرقة جهودهم. وقد ينقسم المنكر إلى عقليات كالظلم والكذب، والنهي عنه واجب، وهو أقرب إلى الأمور المعنوية والأخلاقية؛ وإلى الشرعيات، سواء ما كان للاجتهاد فيها مجال أو لم يكن للاجتهاد فيها مجال، وهي الأمور المادية كالسرقة، والنهي عنها أيضا واجب. يتجاوز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مجال الأخلاق الفردية إلى الأوضاع الاجتماعية، وفي مقدمتها الأوضاع الاقتصادية فيما يتعلق بالمساواة وإعادة توزيع الدخل بين الطبقات. إذا كان المنكر من باب أفعال القلوب غير معروفة ولا يطلع عليها فلا يجب النهي عنها، والمعروفة الظاهرة قد نهي عنها. أما أفعال الجوارح فهي التي يجب النهي عنها لظهورها وآثارها في الحياة الاجتماعية.

4

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، بل واجبان شرعيان مثل الصلاة. وقد يرجع وجوبهما إلى درجة وجوب المأمور بهما أو المنهي عنهما، فيكون الأمر بالوجوب واجبا وبالمندوب مندوبا، حتى يترك الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لمن يأمره وينهاه حرية الاختيار والإدراك في حالة المندوب والمكروه. وهو وجوب لطف ومصلحة، لطف من الله ومصلحة للعباد، تقوم به مصالح الناس التي ترعاها الشريعة.

5

وهو واجب عقلا وشرعا. فالظلم يعرف عقلا، يحس به الإنسان وتدركه الطبيعة، ولو لم يكن واجبا عقلا لكان مغريا بفعل القبيح. ويستحيل أن يكون للوجوب أساس في الطبيعة البشرية.

6

ولا يستلزم وجود الإمام، ولا تقوم به الأئمة؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل للرقابة عليهم. وإن تطبيق الأئمة للشريعة وتنفيذهم للحدود ليس أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، بل هو تطبيق لأحكام الشريعة. وأحيانا يكون دليل وجوب الإمامة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكأن الإمامة أصلها ومستندها في الرقابة الشعبية. إنما يجب على عامة الناس قدر الإمكان ندبا، وواجب على علماء الأمة فرضا. وهو ليس فرض كفاية على العلماء إذا قام به البعض سقط عن البعض الآخر، ولكنه فرض عين على كل عالم ما دام قد استوفى شروطه . فالعلماء ورثة الأنبياء، وإلا ارتكن العلماء بعضهم إلى بعض، وأوكل العالم الأمر إلى غيره حتى يضيع الأصل. فإذا ما استعصى على العامة وعلى العلماء، فإنه في هذه الحالة وحدها يمكن اللجوء إلى الإمام حتى لا تستدعي السلطة على الناس بلا مبرر، وحتى يعطي للرقابة الشعبية أكبر فرصة ممكنة.

7

وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط تضمن وقوعهما وإحداث أثرهما ونجاحهما، وتخفف من حدتهما وثقلهما على النفس، وتقلل أسباب فشلهما، وأهمها ألا يثيران فتنة أو غضبا، أو ينفران الناس من الإسلام والمسلمين، ويبعدانهم عن الأمة وعلمائها؛ فالنصائح صعبة على النفس، والتوجيه ثقيل عليها. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما يتمان حرصا على الإسلام الذي يشترك فيه الناصح مع المنصوح، فليس الناصح بأكثر إسلاما من المنصوح، أو بأشد غيرة على الإسلام منه. ويشترط أيضا عدم التجسس والتلصص على الناس، وتتبع عوراتهم، وفضحهم على رءوس الأشهاد، بل على العكس، التستر على الناس يجعلهم أقرب إلى قبول النصح وقبول التذكرة عن طيب خاطر. فما الفائدة من الإتيان بأصل مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهدم أصل آخر وهو المحافظة على حرمات الناس؟ وعلى الناصح أن يعلم أن المأمور به معروف وأن المنهي عنه منكر، وإلا أمر بالمنكر ونهى عن المعروف؛ فالعلم شرط النصيحة. وقد لا يغني الظن عن العلم؛ لأن الظن لا يغني عن الحق شيئا، وتترك النصيحة حينئذ لمن هو أهل للعلم لا للظن. ولا بد أن يكون المنكر حاضرا، فلا يعقل أن يتم نهي عن منكر لم يحدث بعد، وإلا كانت النصيحة مجرد إعلان عن النفس، ومزايدة في الإيمان، وطلب منصب أو جاه. فالواقع أساس الممارسة، وأصل عقلي منصوص عليه في الوحي بلا واقع يكون مجرد هراء وظيفته تعمية الواقع دون الكشف عنه أو تغييره. وتتوقف ممارسة الأصل إذا ما أدى النهي عن المنكر إلى منكر أعظم منه، مثل قتل الدب لصاحبه. وطبقا لحساب الضرر فإن الضرر الأقل يبدو مقبولا في سبيل تفادي ضرر أعظم. ولا خلاف بين أن يقع الضرر على الغير ، أي المنصوح، أو الذات، أي الناصح؛ فقد تتوقف ممارسة الأصل إذا ما أدى إلى إلحاق الضر بالنفس، سواء كان ذلك في الحياة أو في المال؛ أي الضرر المعنوي أم المادي. ويترك تقدير هذا الضرر لقدرة العالم الناصح على التحمل، وهو ما يختلف فيه العلماء، كل طبقا لقدراته وطاقاته ووضعه. وأخيرا لا يتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا إذا كان له أثر في الواقع حتى يحقق غرضه. أما إذا لم يكن له تأثير، وكان أشبه بالصراخ أو إقامة الأذان في الصحراء حيث لا مجيب، فإنه يكون أيضا فارغا بلا مضمون. فالشهادة ليست للشهادة، والإعلان ليس هدفه الإعلان، إنما الكلمة تهدف للتأثير والتغيير.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٧٦