61
وهناك واقع تاريخي آخر يؤيد ذلك ويحقق إمامة المفضول مع وجود الأفضل، قد يكون السؤال نفسه واختيار المفضول أحد التبريرات النظرية له،
62
ولكن الحجة الأكثر حسما في ذلك هي حجة الواقع؛ أي تحقيق المصلحة ودرء المفسدة على مستوى وحدة الأمة. فلو كانت مبايعة الأفضل تؤدي إلى الفتنة والشقاق في وقت قل فيه الفضلاء وكثر فيه الأقل فضلا، فإنه في هذه الحالة تجوز مبايعة المفضول. هذا بالإضافة إلى أنه لا توجد حجة نقلية أصلا من كتاب أو سنة أو إجماع أو عقل أو قياس أو قول صاحب من أجل مبايعة الأفضل في كل الظروف والأحوال.
63
ويمكن وضع مقاييس للفضل حتى لا يترك اختيار الأفضل ومبايعة المفضول للتقدير الذاتي، بحيث يتدخل الهوى في الحكم؛ فقد يكون في الأفضل علة تخرجه من كونه إماما، مثل نقصه لبعض الشرائط، وقد يكون فيه علة بدنية أو نفسية تجعل المفضول أرجح منه. ولا يدخل عامل النسب، القرشية أو الهاشمية أو العلوية أو العباسية، عاملا مرجحا للمفضول على الأفضل. وقد يكون الأول أكثر شهرة في الفضل وسلامة الحال، تسكن النفس إليه ويحبه الناس. وقد يكون بعيدا عن عهد الكفر لا تنفر منه النفوس. وقد يكون انقياد الناس له أكثر، وقبوله أعظم. الأفضل إذن ليس شرطا على الإطلاق، بل هو شرط ترجيح يخضع للمرجحات التي تكون في المفضول أقوى. وقد يكون في لحظة العقد عارض يقتضي تقديم المفضول على الأفضل، مثل كونه في البلد الذي مات فيه الإمام مع غياب الأفضل في بلد بعيد.
64
ومع ذلك فإن جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل هو بداية السقوط في التاريخ، وبداية التخلي عن المثال من أجل الواقع، وهو تنازل لا يمكن التنبؤ بنهايته ومداه.
| خامسا: الثورة على الحكم
إذا كانت أوصاف الإمام وصفات الإمامة قد ركزت على شخص الإمام، فإن الثورة على الحكم تقلل من هذا التشخيص للمشكلة السياسية، وتتناول المؤسسات وأجهزة الرقابة على الحكام. وتتدرج هذه من الوسائل السلمية العلنية، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة في الدين، إلى ضرورة الجهاد. فإذا ما تم استنفاد الوسائل السلمية دون إصلاح الحال، تم اللجوء إلى وسائل أخرى أكثر فعالية حيث لا تجوز طاعة الإمام الجائر؛ وبالتالي وجب خلعه وعزله، وإلا فلا سبيل إلا الخروج عليه. وإنما يتم ذلك كله باسم التوحيد، حيث يجد التوحيد في البداية مصبه وتحققه في النهاية. (1) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ويحدد هذا المبدأ العلاقة بين الجماهير والسلطة، بين الأمة والإمام، بعيدا عن التشخيص السياسي وتركيز المشكلة السياسية كلها على شخص الإمام. وهي إحدى أصول خمسة في العقائد يقوم عليها علم التوحيد؛ أي إنه نتيجة طبيعية للأصول الأربعة الأولى، خاصة لأصلي التوحيد والعدل. وقد يصبح موضوعا منفصلا وتفرد له مؤلفات خاصة؛ فالمبدأ يتعلق بالأصول وليس بالفروع.
1
فماذا يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هناك أربعة مصطلحات: الأمر، والنهي، والمعروف، والمنكر. فالأمر والنهي مقولتان في علم أصول الفقه، صيغتهما «افعل» و«لا تفعل»، يقتضيان الفعل وعدم الفعل. أما المعروف والمنكر فيفيدان معنى الحسن والقبح العقليين. ويتوجه الأمر والنهي نحو الأفعال وليس نحو الأفكار والآراء؛ أي إنه يخص العمليات والشرعيات لا النظريات. وهو مبدأ للحقوق المدنية تتعلق بالأفعال الظاهرة، ولا يخص توجيه الفكر والحد من حريته.
2
ويبدو النهي عن المنكر أهم بكثير من الأمر بالمعروف طبقا للقاعدة الأصولية أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ويتضح ذلك من قسمة المعروف والمنكر؛ فقسمة المعروف مقتضبة تتعلق بالصورة دون المضمون؛ إذ إنه ينقسم إلى واجب وما ليس بواجب، فالأمر بالواجب واجب، وبالنافلة نافلة، وبالمندوب مندوب، في حين أن المنكر من حيث الصورة واحد، وهو وجوب النهي عنه عند استيفاء الشروط، لا فرق في ذلك بين صغيرة وكبيرة،