تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8

أما طرق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنها تختلف فيما بينها بالنسبة لكل منهما؛ فالأمر بالمعروف يكفي مجرد الأمر به دون إلزام، أما النهي عن المنكر فلا يكفي فيه مجرد النهي، بل لا بد من الإلزام؛ وبالتالي لزمت وسائل تحقيقه وتنفيذه من أجل إحداث التغيير المطلوب، ويبدأ التغيير بالفعل والذي يرمز إليه باليد؛ أي بالقوة. ويختلف في مداها بالضرب أو بالقتال، كما يختلف في الضرب بالأيدي أو النعال، ويختلف أيضا في القتال بالقبض والسلاح، أي بالسيف، أو بمعركة حاسمة وفاصلة يجمع لها الجنود بالآلاف. فإن صعب التغيير باليد فلا يبقى إلا اللسان؛ أي الكلمة والقول. ويختلف في القول بين القول اللين والقول الخشن. فباستمرار الإعلان يمكن إحداث التأثير، وبدوام القول يزداد وعي الأمة وتضغط بنقلها من أجل إحداث التغيير. فإن استحال القول نظرا لظروف القهر وكبت الحريات ومنع الكلمة لم يبق إلا القلب؛ أي الاستمرار والثبات على الحق دون مخالفة الضمير أو بيع الذمة أو الرضا بالقهر. ولما كان ذلك يتطلب اتفاق القول والعمل مع الوجدان، فإن النهي عن المنكر بالقلب يحرس الإنسان من الوقوع في النفاق وقول ما لا يؤمن به، أو في الممالأة وفعل شيء لا يرضى عنه، ويحرسه من التصفيق والتهليل أو المداهنة والمجاراة، وحتى لا يكون الناس على دين ملوكهم.

9

ولكن تنشأ من ذلك صعوبتان؛ الأولى: هي استعمال العنف ضد الأمة أفرادا أو جماعات، وهو العنف الذي يصل إلى حد القتال والدخول في المعارك بالآلاف؛ وبالتالي شق الأمة وإشعال حرب أهلية داخلية طاحنة. والثانية: قتال من ضد من؟ هل تقاتل عامة الناس وحدهم، أو علماء الأمة وحدهم، أم عامة الناس بقيادة علماء الأمة وحدهم، أم بظهور إمام جديد عادل؟ وهل العامة أو العلماء أو الإمام الجديد الخارج يقوم كل منهم بتغيير المنكر بيده، أم تكفيهم النصيحة ويوكل الأمر إلى الإمام؛ أي إلى السلطة الشرعية لتغيير المنكر، فيكفيهم البلاغ والإعلان؟ وضد من سيقع القتال؟ ضد مرتكبي المنكر من عامة الناس، أو من العلماء ضد الإمام الذي عقدت البيعة له ولم يستمع لنصح؛ وبالتالي تجوز الثورة عليه؟ ألا يكون ذلك مدعاة للخروج المستمر على السلطة الشرعية، وتفتت الأمة وتشرذمها، وإشاعة الفوضى في البلاد؟ ونظرا لهاتين الصعوبتين يمكن قلب طرق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبداية بالتغيير بالقلب؛ أي بعقد العزم والنية على القسط بالحق، والإبقاء على صفاء النفس، وإخلاص الضمير دونما تهاون أو مداهنة أو نفاق، فيصبح المسلم بسلوكه واعتقاده اعتراضا مجسما ورفضا مشخصا لما يراه أمامه من منكر. وهو نوع من المقاومة السلبية للظلم يؤتي ثماره إذا ما شاع وانتشر، فإن لم يفلح فالتغيير بالقول واللسان. ويظل طريق التغيير النصيحة والإرشاد، والإعلان عن الحق في مواجهة الباطل، وإنما بقاء الباطل في غيبة الحق عنه. فإذا ما تراكمت الأقوال وعم الوعي وانتشر الحق، فقد يحدث التغيير الفعلي، فالكلمة فعل، والقول أثر. فإن لم يحدث التغيير لم يبق إلا اليد؛ أي التغيير بالقوة بعد استنفاد كل الوسائل السلمية الممكنة. ومع ذلك تنشأ صعوبتان أخريان؛ الأولى: الاتهام بالطاعة العمياء للإمام، والتسليم بالأمر الواقع، وإيثار الطاعة على الخروج، والرضا على الثورة؛ مما يؤدي إلى القعود عن نصرة الحق. والثانية: ما العمل في الإمام الجائر وحكم البغاة؟ هل يكفي في ذلك النهي عن المنكر بالقلب ثم باللسان ثم باليد، أم أن مقاومة البغي بالفعل فرض شرعي؟ لم يكن هناك مفر إذن من التسليم بأن طاعة الإمام مشروطة بطاعته للشريعة، فلا طاعة في معصية. ومن قاتل دون ماله فهو شهيد، ومن قاتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قاتل دون مظلمة فهو شهيد. ولا يكفي أن يكلم الإمام الباغي، بل يجب أن يخلع، فإن لم ينخلع وحب خلعه وسل السيوف إذا اقتضت الضرورة؛

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٧٧