9
ولا يمنع ذلك من وجود مقاصد لدى المنظرين الأوائل الذين كانوا ينتسبون إلى هذه البيئات الدينية والحضارية المجاورة يجعلهم يروجون لعقائد جديدة دخيلة لتحقيق نوع من الضياع النظري. فإذا كان هناك عجز في مواجهة الدين الجديد على مستوى الفتوح في الأرض، فيمكن الطعن فيه من الخلف، في العقائد النظرية، سبب قوته، في وقت لم تختف فيه الشعوبية بعد، وهي تصور الحكم الجديد للعرب والقديم للفرس دونما مغالاة في التفسير التآمري لحوادث التاريخ.
10 (1-2) الغيبة والانتظار
فإذا كان الإمام خالدا وراجعا لأنه لم يمت، أبديا أزليا، ومع ذلك فإنه غائب يجب انتظاره. ومكان الغيبة في الدنيا، في الجبال أو الفيافي والقفار، إلى أن يحين وقت خروجه قادما من الصحراء إلى الخضر. وتظل الجماعة في التيه لحين ظهور الإمام وحضور ملكه. ولما كانت الأرض لا تخلو من إمام، فهناك القائم نائبه. وقد تكون الغيبة غيبتين؛ الغيبة الأولى يتلوها ظهوره كبشارة أولى وثقة في النصر، ثم تأتي الغيبة الثانية
11
للاختلاف التاريخي حول الغائب، هذا أو ذاك؛ لأن الأمر كله تجربة شعورية لا تدل على وقائع، نشأت في بيئة نفسية واجتماعية معينة. ولما لم يظهر الإمام، ولم يرجع المهدي المنتظر، ولم تنتصر الجماعة، كان مصيرها جميعا بلا استثناء القتل والهزيمة. ومع ذلك تخلق عقيدة المهدية أشخاصها. وما الفائدة أمام غائب يعيش في بطون الجبال والكهوف أو في الصحراء ينتظر القوم رجوعه؟ وما الفائدة من إمام حي لا يفعل ولا يؤثر ولا يتصل بالبشر؟ كيف يقودهم ويخلصهم ويعلمهم ويؤمهم؟ والغيبة غير محددة، قد تطول وقد تقصر، وقد تستمر بالقرون ولا يظهر الإمام المنتظر. يتغير الكون، وتتغير ظروف الجماعة، ويظل الإمام القائد لا يتغير. هل يعلم الإمام الظروف الجديدة؟ هل يظهر أثناء هذه المدة من يأخذ حقهم، مثل نائبه؟ وعقيدة انتظار المخلص معروفة في جميع الأديان، تنشأ من الإحساس بالاضطهاد كما حدث لدى الشيعة، ومن العجز عن استرداد الحق الضائع، يمكن قراءتها في النصوص الدينية حتى يحدث التطابق بين التجربة الحية وحجة السلطة،
12
ولكن النموذج الذهني موجود في الديانات السابقة التي تم التعرف إليها من البيئات الدينية المجاورة؛ فظهرت عقيدة المخلص في اليهودية إبان الأسر البابلي؛ مما ساعد على خلاص اليهود ورجوعهم إلى أرض المعاد. كما ظهرت في العصر الروماني، وأدت إلى ظهور المسيح، وبعد موته ظلت الجماعة المسيحية الأولى في انتظار عودته على قمم التلال وعلى أسطح المنازل. وهذا معروف في التاريخ النفسي للجماعة الأولى باسم واقعة الانتظار
Parousia . وفي معظم الديانات التاريخية لعقيدة المخلص دور تحرري في الجماعات المضطهدة.
13
وتظل عقيدة المهدية أكبر صورة فنية للأمل في الحق بعد ضياعه، وفي الإيمان بإمكانية استرداده تعويضا في المستقبل عن هزيمة الماضي. أما فرق المعارضة الأخرى العلنية، سواء في الخارج أم في الداخل، فإنها تحقق الخلاص بالفعل بوسائل أخرى، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بالثورة على الإمام. والحقيقة أنه بالرغم من بعض الجوانب الإيجابية في عقيدة المخلص، إذ إنها تعطي أملا مستقبليا في الانتصار، وثقة فائقة بالنصر، فالحق لا بد وأن يظهر في النهاية مهما طال الانتظار، وأن العدل لا بد وأن يسود حتى ولو ملئت الدنيا ظلما وعدوانا، كما أنها تعطي طاقة قصوى على التحرر، وعلى ملء الفراغ الذي تتركه غياب الأيديولوجية. وكثيرا ما أدت العقيدة إلى ثورة بالفعل ضد المغتصب بصرف النظر عن وقوع ظلم آخر في مرحلة ما بعد التحرر. بالرغم من ذلك، للعقيدة جوانب سلبية أخرى؛ فهي تعبر في نهاية الأمر عن العجز عن التحرر في الحاضر، وتخلق عالما من الوهم على أمل خادع في المستقبل. تحول الوقائع إلى عقائد، وتحيل الموضوعية الصلبة إلى ذاتية فارغة، وتكشف عن عدم إمكانية الصمود وتقبل الصدمة، وتحليل الواقع عقلا، والرغبة في انتصار سريع حتى ولو بالتمني. كما أن انتظار الخلاص ليس القيام به بالفعل، والعيش في المستقبل تجاوزا لمآسي الحاضر تماما مثل العيش في الماضي زمن الانتصار أيام العصر الذهبي؛ فالهروب إلى الإمام تعليقا للخلاص في المستقبل مثل الهروب إلى الوراء تنعما بالنصر في الماضي وتأملا فيه. والانتظار في النهاية موقف سلبي يخالف الانتظار الذي يصاحب الإعداد لمعركة قادمة. كما تؤدي عقيدة المخلص إلى عبادة الفرد؛ فالمخلص هو فرد وليس تنظيما جماعيا. هو القائد الملهم والمخلص بلا منازع، هو البطل والرئيس والقديس والمعلم؛ مما يتطلب من الناس التسليم المطلق له والثقة العمياء فيه؛ لذلك تؤدي عقيدة المخلص إلى تأليه الفرد، وليس فقط تقبل زعامته أو تعبيره عن مطالب الجماهير. ونظرا لسلبية الجماهير، وطاعتها العمياء للمخلص، وعدم ممارسة الرقابة عليه، ينتهي الأمر إلى أن يقود الخلاص إلى استغلال الجماهير باسم الدين، أو الانقلاب عليه بمخلص آخر قد يكون ثورة مستمرة أو ثورة مضادة. وغالبا ما تكون في البداية دعوة سرية لا علنية، وفي جماعة تقوم بنيتها النفسية على سيكلوجية الاضطهاد، ويتسم فكرها بطابع الجماعة السرية المغلقة والسلوك المزدوج والتفسير الباطني للعالم. ويتم تصور قوى وهمية مشخصة تساعد المخلص، حتى ولو كانت هذه القوى المشخصة مذكورة في النصوص الدينية كصور فنية، وتعبير عن القوى النفسية والمعنوية التي يعتمد عليها أصحاب الحق المهضوم في مواجهة القوى المادية لأنصار الظلم والجبروت. (1-3) العصمة والتقية