تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد يبدو بعض التناقض في هذه المفاهيم المزدوجة، مثل الخلود والرجعة، الغيبة والانتظار، العصمة والتقية؛ فكما أن الخالد لا يرجع لأنه باق إلى الأبد، فكذلك الغائب لا ينتظر لأنه لا يعود، والمعصوم لا يخشى شيئا؛ وبالتالي لا يمارس التقية. ومع ذلك ما دام الإمام فوق البشر، أسطوريا، تكون العصمة من صفاته بصرف النظر عن تطبيقها في هذا الإمام أو ذاك؛ فالعصمة رد فعل نفسي على الفتنة وتخبط الآراء. ولما كان أصوبها لم يتحقق أصبح هو الحق الضائع، ولزمت العصمة كملاذ أخير. ويصعب تحققها التاريخي في أئمة بعينهم؛ فإذا كان هناك اعتراف بإمامة الشيخين أو الخلفاء الأربعة فإنهم غير معصومين، وإذا كانت العصمة لأحد الأئمة فإنه قد أخطأ ببيعته للإمام الظالم، وإذا كان الإمام الرابع معصوما فمن الخطأ القول بكفره لأنه لم يقاتل الشيخين على حقه الذي تركه. وهل قال أحد من الخلفاء الأربعة إنه معصوم؟ وهل تمتد العصمة إليهم من الأئمة؟ وإذا امتدت، فلماذا تتوقف عليهم ولا تمتد إلى التابعين وتابعي التابعين إلى ما لا نهاية؟ وإذا كان الإمام معاقبا لبيعته للإمام الظالم، محبوسا في جبال «رضوى»، فكيف يكون معصوما وهو على هذه الحال يلقى هذا المصير؟ وإذا كان الأئمة اثني عشر، فكيف يكون المعصومون أربعة عشر؟ هناك إذن معصومون غير أئمة؛ وبالتالي لا تكون العصمة أحد أوصاف الإمام. وإذا كانت العصمة وصفا له، فكيف لا تكون وصفا ثابتا، بل توجد وتعدم، تأتي وتختفي بعد مدة معينة؟ بهذا المعنى تكون العصمة مرتبطة بالأفعال وليس بالأشخاص. وإذا كانت العصمة ممتدة إلى الخلفاء والأعوان فهي ليست خاصية فريدة للإمام، ولأمكن استغناء الإمام عنها، أو كان الخليفة أو الوالي المعصوم إماما مثل الإمام المعصوم.

14

وإذا كانت العصمة للإمام وحده، فكيف تكون لآل بيته؟ لذلك من الأفضل أن تكون العصمة مجرد وصف نظري دون تحقق عيني في التاريخ. وفي هذه الحالة لا تكفي وحدها على الإطلاق، بل تصاحبها المعجزة والنبوة وتنتهي إلى الألوهية، بل قد يعصي النبي لأن الوحي يصححه؛ وبالتالي تكون العصمة أولى بالإمام من النبي.

15

وحجج عصمة الأئمة اثنتان؛ الأولى ضرورتها للتعليم والتشريع لما كان الإمام هو المعلم والمنفذ للشريعة بصرف النظر عن نوعية العلوم، إلهية كما هو الحال في مذهب التعليم، أو عقلية لمعرفة الواجبات وتقريب الخلق إلى الطاعات، وبصرف النظر عن نوعية الوظيفة، نظرية أم عملية. والثانية حجة جدلية صرفة؛ أن كل معلم في حاجة إلى معلم، وكل إمام يحتاج إلى إمام حتى تصل إلى المعلم والإمام المعصوم. والحقيقة أن الدين واضح بين لا حاجة فيه إلى وظيفة جديدة. ويمكن عن طريق علم الأول الاجتهاد واستنباط أحكام شرعية جديدة. العصمة إذن داخلة في حدود القدرة الإنسانية على الاجتهاد في التشريع وعلى استنباط الأحكام. أما من جهة ضرورة وجود معلم أول وإمام معصوم، فيمكن أن يمثل الوحي بهذا الشأن نقطة بداية يقينية تغني عن العصمة. أما الحجج النقلية فهي قراءة للحالة النفسية في النقص وتأويل له حتى يحدث التطابق بين النص والواقع كما تشعر به جماعة الاضطهاد. وقد تثار حجة شرعية من أن الإجماع يقوم على الإمام المعصوم كأحد المجتمعين. والحقيقة أن حجة الإجماع من داخله وليست من خارجه، من التحاور وتبادل الرأي والمشورة؛ فإذا أمكن خطأ واحد فإن الآخر يقوم بالتصحيح، ولا تجتمع الأمة على ضلالة. كما أن صدق الرواية لا يعتمد على وجود إمام معصوم ضمن الرواة؛ لأن الصحة التاريخية لها شروطها في النقل المتواتر أو في ضبط الراوي وعدالته والتطابق بين السماع والحفظ والأداء إذا كان النقل آحادا. وإذا كان المعصوم علما وعملا فإن الراوي مجرد ناقل لرواية لا يتدخل فيها بعلمه أو بعمله.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٦٧