4
ولا يخص ذلك الأئمة وحدهم، بل الصوفية كذلك، ما دامت الظروف النفسية والاجتماعية والسياسية هي التي تخلق العقائد، بل ولا يقتصر ذلك على الشيعة والصوفية وحدهم، بل يمتد إلى كل من يخضع للظروف نفسها، مثل بعض أئمة الخوارج الذين لا يستأنفون القتال فيتحولون إلى شيعة.
5
تنشأ هذه العقيدة من تضخم الذاتية خارج الموضوعية، والقضاء على استغلال الطبيعة، ثم تشخيصها أو السيطرة عليها بالخيال، وتصورها بالافتراض والتمني. كما تخضع الملائكة للإمام تعويضا عن رفضه خضوع البشر له، وتحييه وتبايعه تعويضا عن إنكار البشر لبيعته ورفضهم لها. يعينه بشر، كل منهم يحمل اسما أعظم. له مؤمنون، سبعة عشر رجلا بإيمان صادق تعويضا عن الآلاف بلا إيمان مرتشين. النصر للقلة المؤمنة على الكثرة الباغية. الأرض لهم في المستقبل إن لم تكن لهم في الحاضر. ويبلغ الإمام درجة القرب من الله بحيث يتعاملان معا حسيا وجسديا، يمسح الله بيده على رأسه تحببا إليه. كما يبلغ درجة النبوة؛ إذ يطلب الله من الإمام التبليغ عنه في دار التبليغ. والنطقاء بالشرائع، أي الرسل، سبعة، يعين كل منهم سبعة أئمة يتممون الشريعة. ويوجد في كل عصر سبعة يقتدى بهم؛ إمام يؤدي عن الله، وحجة يبلغ عنه، وذو مص يمص العلم، وأكبر يرفع درجات المؤمنين، ومأذون يأذن العهود على الطالبين، ومكلب يحتج إلى الداعي، ومؤمن يتبعه. ومظاهر الطبيعة أيضا سبعة؛ السموات والأرض وأيام الأسبوع والكواكب السيارة ... إلخ. وقد تحتاج الإمامة إلى الإقامة، ويتلو الإمام القائم. الإمام يعرف الحقائق العلوية والسفلية، والقائم يعرف الكليات في الجزئيات.
6
والرجعة تدل على رغبة في العودة إلى النضال والانتقام والنصر، وأن الهزيمة ليست فاصلة ولا حاسمة ولا نهائية. وما دام حيا لا يموت فهو أزلي من البداية، أبدي في النهاية؛ فخلود الإمام يؤدي إلى الرجعة. الإمام حي قائم خارج أرض الظلم والنفاق في أرض الطهارة والصفاء، يعود حتى يعود الحق معه ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. ويكون القتل الثاني بالحق لا بالظلم. ولا يؤثر فيه السيف كرد فعل على تقتيل الأئمة بالسيوف قبل الخلود والرجعة. ولا يتمتع الإمام وحده بالخلود والرجعة، بل أيضا كل من يتصل به من أهله وأنصاره، بل والعالم كله من أجله، فالخلود يسري بالاتصال، وينتشر بالتبعية، ويعم بالتضامن. كل من اتصل بالخالد فهو خالد مثله، وكأن الإمام يشع خلوده على الآخرين، وتسري عدوى خلوده في جماعته. ليس الخلود إذن صفة ثابتة، بل صفة مشعة. وإن القدرة المطلقة للإمام بعد موته رد فعل على عجزه المطلق في حياته، وتعويض نفسي عن الإحساس بمرارة الفشل. لا بد للحياة من أن تنتصر على الموت، والأمل على اليأس، والروح على البدن. وقد يتجاوز الخلود الإمام أو الموتى إلى الدنيا كلها. وهو إحساس ينتج عن تعويض نفسي بعد فقد الأئمة وتابعيهم لكل شيء في الدنيا. ينقلب الضد إلى الضد، ويتحول العدم إلى وجود، وعندما يضيع الابن يخلد بالصورة. يعود الأصحاب مع الإمام، وتعود الدنيا كلها إليهم، لهم المصير نفسه والمستقبل نفسه.
7
وقد تمت قراءة حوادث التاريخ في النصوص حتى أصبحت النصوص تنبؤات بالحوادث أو توجيهات للوقائع. وإن استحال تأويل النصوص بحيث تتطابق مع حوادث التاريخ أصبحت محرفة مبدلة، أو منسوخة مرفوعة لا يمكن الحكم فيها إلا للإمام المعصوم. وقد يوحي ذلك بأن صفات الإمام الأسطوري نابعة من النصوص، وهي في الحقيقة تعبير عن الأوضاع النفسية والاجتماعية والسياسية لمجتمع الاضطهاد في مواجهة مجتمع القهر والغلبة.
8
فالتجارب الحية داخلية محلية، ثم تم نسج كثير من صور الخلود والرجعة طبقا لنماذج في البيئات الدينية المجاورة بعد أن تم التعرف عليها. وقد كان كثير من المنظرين على علم بها أو ينتسبون إليها قبل الانتساب إلى الحضارة الجديدة الناشئة؛ فقد ظهر من قبل خداع الحواس في رؤية الواقع، كما هو الحال في رؤية المسيح عيسى بن مريم، ولم يمت الإمام حقا، بل شبه لجماعته أنه كذلك، أو أن شخصا آخر قد مات بدلا عنه، وقد يكون الشيطان قد تمثله. صعد الإمام إلى السماء كما صعد عيسى ودانيال وعزرا؛ مما يدل على أهمية تاريخ الأديان في الوعي الاجتماعي كأنماط مثالية ينسج الخيال عليها. وقد كان أوائل المنظرين من اليهود، وعقائد الخلود والرجعة موجودة في الكتب المقدسة السابقة. وإن اتحاد الإمام بمظاهر الطبيعة وتشخيص صفاته فيها معروف أيضا في الأناجيل. وقد حدث ذلك للمسيح ساعة الصلب عندما اكفهر الجو، وأمطرت السماء، واشتد الرعد، وسطع البرق، ووقع الزلزال، واهتزت الأرض، وهبت الريح، وطارت العواصف، تعبيرا عن بشاعة الجرم. وقد ظهر المسيح في رؤيا يوحنا راكبا حصانا أبيض وهو يقاتل التنين وينتصر عليه. كما صارع أيوب الشيطان تعبيرا عن الصراع بين الخير والشر، وأملا في النصر. وكما ينزل المسيح في آخر الزمان ليقتل المسيح الدجال رمز الشر في كل دين، ويخلص الناس من شره، كذلك يفعل الإمام؛ فالإمام هو المخلص. وقد ظهرت هذه العقيدة في كل دين، وقامت بدور هائل إن لم يكن الدور الرئيسي في قيام الحركات الدينية السياسية، وقلب أنظمة الحكم وإقامة أنظمة جديدة؛ ففي اليهودية القديمة ظهرت عقيدة المخلص «المشيانية» الذي سيخلص بني إسرائيل من الأسر البابلي، كما ظهرت في المسيحية الأولى التي اعتبرت المسيح هو المخلص، وفي معظم الديانات التاريخية قامت عقيدة المخلص بأدوار تحررية في تحرير الجماعات من الاضطهاد الداخلي والسيطرة الأجنبية. لا تظهر العقيدة في فترات الانتصار، ولا تظهر إلا أوقات الهزيمة وفي جماعات الاضطهاد.