1
وبعد أن حسم لصالح القمة في الإلهيات وفي الإنسانيات، في العقليات وفي السمعيات. (1) هل هناك صفات للإمام؟
إذا كان القول بالنص والتعيين يؤدي إلى صفات للإمام تتجه نحو التأليه، وصفات فوق الطاقة البشرية تجعل من الإمام أكثر من إمام، فإن هذه الصفات في الحقيقة هي تعويض عما لحق بالأئمة من ذبح وتقتيل. وكلما زاد القهر والقمع ازدادت الصفات ألوهية، وازداد الإمام عظمة؛ كي يستأنف الكرة ويعود من جديد أقوى مما كان، ليهزم جحافل الظلم وجند الطاغوت. وهذه الصفات هي الخلود، والغيبة والرجعة، والعصمة والتقية، والعلم والتعليم. (1-1) الخلود والرجعة
والقول بالخلود والرجعة هو أكبر رد فعل على موت الإمام ظلما وقتله عدوانا؛ إذ يتحول الفناء المطلق إلى خلود مطلق، وينقلب الموت اللحظي إلى حياة أبدية دائمة مثل حال الشهيد، وتتحول رغبة العدو من إعدام للإمام المعارض إلى إثبات وجوده إلى الأبد، فينقلب الظالم على عقبيه، ويفوت الإمام على أعدائه تحقيق أغراضهم. الرغبة في الخلود إذن شيء طبيعي كرد فعل على الظلم ورغبة في النصر، واستعدادا للانتقام. فالهزيمة ليست نهائية، والحاضر ليس كل الزمان، وخسارة معركة ليست خسارة للحرب. فلا بد للعدل أن يسود على الظلم، ولا بد للحق أن يدحض الباطل، ولا بد للشرعية أن تعود لتمحق اللاشرعية. خلود الإمام إذن إحدى مقدمات نظرية الثورة على الحكم الظالم من أجل سيادة العدل، وإحقاق الحق، والعودة إلى الشرعية. الخلود تعبير عن الرغبة في الثورة، واستمرار القتال، وأمل في المستقبل، وثقة بالنصر. وتنشأ صور الخلود ابتداء من جدل الحس والخيال، والصراع بين الواقع والحلم؛ فبعد قتل الإمام في الواقع يظل حيا في الخيال.
2
ولا ضير أن يقع خطأ في الحواس؛ فشدة الانفعال وفقد الاتزان من هول قتل الأئمة وذبحهم يفقد الحواس القدرة على الإدراك السليم، ويصبح الخيال بديلا عن الحس، والتمني سائدا فوق الواقع، ويخلق الموضوع في الذات بدلا من أن تدرك الذات الموضوع. وفي هذه الحالة لا يهم من الإمام، هذا أم ذاك، ومن من الأئمة هو الحي الخالد؛ فإمام كل فرقة بعد استشهاده هو الحي الخالد. المهم هو الواقعة الحية والتجربة الإنسانية، وليس الحدث التاريخي، الشخص المعين باسمه ما دامت الظروف النفسية واحدة، والأشخاص ما هي إلا «معلقات» عليها وحوامل للدلالات. وإن الاختلاف في الإمام مات أم لم يمت يدل على الصراع بين الموقفين الحسي والخيالي، الواقعي والحالم، عقلية معتدلة أو نفسية متأزمة، موضوعية ومواجهة أو ذاتية وهروب. وإن اختلاف الفرقة في موت الإمام، مات أم لم يمت، لا يحتاج إلى تحقق تاريخي لواقعة الموت؛ لأن الأمر لا يتعلق بحادثة تاريخية موضوعية، بل بموقف ذاتي خالص تعبر فيه الجماعة عن رغبتها في الانتصار على الموت، ورفض الهزيمة عن طريق التمني وبصياغة الخيال. إن كان قد هزم الإمام بالفعل فإن إرادة الجماعة لم تنهزم، وإن كان حسه قد صدم فإن خياله لم يتوقف؛ وبالتالي تتحول الهزيمة في الحاضر إلى انتصار في المستقبل. وتكون الصدمة عندما يموت الإمام الحي فتفترق جماعته فرقتين؛ الأولى تنكر الموت، وأن الذي مات شخص آخر؛ والثانية تثبت الموت، وتنكر الجماعة وتخرج عليها، وتفيق من الخيال. لا يهم إذن الاختلاف في نهاية الأئمة، فتلك ظروف نسبية جزئية تكون مجرد حوامل للظروف النفسية، وأمام واقعة الموت تتهاوى كل دعاوى الخلود، وأمام أهواء البشر ينقشع الغمام، وتظهر الحيل، وتنكشف الاحتيالات، وتفيق الجماعة. وتظل الجماعة متأرجحة بين الواقع والخيال، لا تقوى على مواجهة الواقع، ولا تستطيع الفكاك من الخيال، وتشتد الحيرة، ويقع التشرذم، وتنشق صفوف المعارضين.
3
ويتضخم الإمام الحي الراجع، ويضم مظاهر الطبيعة، ويتشخص فيها. فيصبح الإمام الحي هو السماء وبرقها ورعدها وحركتها، بجبالها وأنهارها ووديانها، بسهولها وسواحلها، بأشجارها ونباتاتها، وبحيواناتها المتوحشة. فالسماء رمز للعلو، وتعويض عن سفل الأرض، وتمسك بالأعلى في حالة ضياع الأدنى والاستئصال منها. فالإمام في السحاب، رمزا للصفاء والبياض والطهارة والنصاعة والشفافية والخلفة والوفرة والخير، في المطر؛ الرعد صوته، والبرق سوطه. الإمام حي في منطقة نائية في جبال رضوى، فالجبل رمز للصمود والفخامة، والضخامة والعظمة، وهي جبال «رضوى» تشخيصا للرضا عن الإمام. أسد عن يمينه ونمر عن شماله يحفظانه، يأتيانه رزقه غدوة وعشية إلى وقت خروجه. وهي الصورة الشعبية الموجودة حول كل فارس ممثل للإيمان تحفظه الأسود والنمور، ويركب الخيل مقاتلا التنين والوحوش الكاسرة، والتي تدل على رغبة جامحة في الانتصار، وعلى وجود شعور بالبؤس أو إحساس بالشقاء، وعلى ضرورة الانتصار حتى ولو كان بالتمني يصنعه الخيال، ويمثل الحق الضائع والأمل فيه عن طريق خلق صور فنية له قد تكون لحيوانات واقعية مثل الأسد والنمر، أو خيالية مثل التنين يشرب من عينيه، عين من الماء وأخرى من العسل، صور من الجنة ومن الصحراء. إن الإيمان بإمام حي مشخص في الطبيعة على هذا النحو تعويض نفسي عن تقتيل الأئمة الذين خرجوا على الحكم الأموي، وتخيله بعيدا في الصحراء عن وحوش المدينة، تحرسه وحوش حقيقية أكثر أمانا من وحوش بني أمية، يعيش مع نفسه، رمزا للصفاء الخالص بعيدا عن شرور الدنيا وآثامها. الإمام المنعزل رمز للطهارة الضائعة التي آثرت العيش في الصحراء بعد أن استحال لها العيش في المدينة. وقد تكون هذه العزلة عقابا للإمام على رضاه عمن ظلموه وظلموا الأئمة من الحكام، وبيعته لبعضهم ورفضه الاستمرار في المعارضة والثورة المستمرة. تكون العزلة حينئذ عن البشر وعن الناس وكأنه سجين الصحراء. وكيف تكون العقوبة الخلود؟ وكيف يرتكب الإمام الذنوب وهو معصوم؟ إن الخيال الشعبي لا يعرف التناقض، ولكنه يصوغ وقائع وحوادث كتجارب حية في الشعور، ويصورها بالخيال دون أن يوجد لها نسقا عقليا مطابقا. كل موقف له بنيته النفسية الخاصة كحالة فردية.