61
وإن كل الشبهات التي ألقيت عليه لم تمنع من إجماع الأمة على إمامته، كما أنه يسهل إزالتها؛ فمنعه ميراث النبي إنما يستند إلى النبوة ذاتها، فالأنبياء لا تورث ولا تورث، ما يتركونه صدقة. والخلاف على مبدأ لا يراعى فيه الأشخاص حتى ولو كانوا بنات النبي. وإن كثيرا من الأخبار حول سوء معاملتهم موضوعة، وإن القسوة في محاسبة النفس لدرجة الإحساس بأن هناك شيطانا يعتريها أمر يحتاج الحكام إليه. أما طريقة بيعته فقد كانت فلتة عصمت الأمة من الشقاق والفتنة. ولا يعني ذلك أنها خطأ، بل أكدت الاختيار والبيعة. أما استدراك الأفعال ومراجعة النفس في آخر العمر فهو إحساس بالمسئولية، وتعلم بالتجربة، وليس ضعفا أو خطأ. وعهده إلى الخليفة الثاني اجتهاد منه، وليس خروجا على النبوة وتقليدها. عهد أكده الناس بالبيعة عن قبول ورضا. وإن تأخير جيش لهو اجتهاد قائد في حاجة إليه داخليا قبل الحاجة إليه خارجيا، كما أن عدم توليته بعض الأعمال وتولية آخرين إنما هو اختيار طبقا للقدرات، ولا يدل على أي نقص أو شك. ونقص العلم ليس عيبا، إنما يحتاج الإمام إلى العلم النافع في تسيير أمور الرعية دونما حاجة إلى تفقه وتعمق في الدين يحسنه المتفرغ له. وإن إيقاف الحدود لهو من سلطة الإمام كالتعزير، وإيقاف حد على سيف الله المسلول نصرة للأمة وإيثارا للجهاد على الأفعال الفردية. لم يسم نفسه خليفة، بل سماه الناس كذلك. ولم يستنكره نظرا لأنه كذلك بالمعنى الحرفي قبل أن يتحول اللفظ إلى نظرة شرعية. أما دفنه مع صاحبه فكذلك فعل آخرون إيثارا للصحبة، وليس عصيانا لأمر.
62
وكانت إمامة الخليفة الثاني بعهد من الخليفة الأول تلته البيعة أمام جمع من الشهود. والغلاة وحدهم هم الذين لا يتولون الشيخين.
63
وقد تم الاتفاق على الخليفة الثالث بعد الشورى، وعقدت له البيعة بالرغم من بعض الشبهات حول أفعاله عن خطأ في الاجتهاد.
64
وتمت إمامة الخليفة الرابع عقدا واختيارا بإجماع الأمة. ولما حدث الشقاق، وانفصمت عرى الإجماع، ونصب إمام آخر أقل فضلا من الأول، بدلا عن أن يتنازل الثاني، تحولت البيعة إلى نص كرد فعل على سوء اختيار البشر وتحكم الهوى والمصلحة الفردية.
65
وبعد ذلك تحولت الإمامة إلى ملك عضود إلى حكم وراثي في نسل الإمام دون وراثة الروح.
66
والحقيقة أن تحقق الإمامة في التاريخ وإن اختلف فيها القدماء، فإنها لم تعد مشكلة اليوم أو مجالا للاختيار والتحزب. لم تعد الواقعة نفسها بذات دلالة إلا من حيث تحليل المواقف التاريخية في الدراسة العلمية للتاريخ، ورؤية أي المواقف كانت أكثر ثورية من الآخر طبقا للالتزام السياسي لروح هذا العصر. ولا يبرأ هذا التحليل من قراءة الحاضر في الماضي، ورؤية الواقع في التاريخ. ومع ذلك فالدخول فيه وكأننا طرف فيه هو هروب من العصر، ونقص في الالتزام، وابتعاد عن الاختيارات الأساسية فيه. حينئذ يكون الماضي تعويضا عن الحاضر، ويكون التاريخ مهربا.
67
| رابعا: صفات الإمام وشروط الإمامة
تبدو أحيانا صياغة المسألة السياسية صياغة فردية، وذلك بالتركيز على صفات الإمام، وكأن النظام السياسي كله بما في ذلك من مؤسسات دستورية ونظم شعبية للرقابة تتحدد بل وتستنبط من صفات الإمام الفردية الطبيعية أو المكتسبة، سواء في التعيين بالنص أو في الاختيار بالعقد والبيعة، مع اختلاف في درجة التشخيص؛ ففي التعيين بالنص تكون الصفات أكثر تشخيصا وتأليها، مثل الخلود، والغيبة والرجعة، والعصمة والتقية، والعلم والتعليم، في حين أنه في الاختيار بالعقد والبيعة تكون الصفات أقل تشخيصا وأكثر إنسانية، مثل العلم والورع والشجاعة. الأولى تكليف بما لا يطاق، والثانية تدخل في حدود الطاقة الإنسانية. بل يستمر هذا النسق المتقابل في علم أصول الدين كله ابتداء من موضوعه الأول، وهو الذات، حتى موضوعه الأخير، وهو الإمامة. فالتجسيم والتشبيه والتشخيص يظهر في كل موضوع، يجعل الإنسان إلها، والحرية جبرا، والعقل سمعا، والعدل ظلما، والخير شرا، والعمل نظرا، والسياسة فردا. وقد استمر هذا النسق موروثا حتى الآن في وجداننا المعاصر في طبع النظام السياسي كله بشخصية القائد أو الزعيم أو الرئيس، بمزاجه وأهوائه وقدراته وطبعه. إذا حسن النظام فلحسن شخصه، وإذا ساء فلسوئها. ويظل الصراع بين القمة والقاعدة موروثا،