تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن كان البعض هو الممكن، فما مقداره؟ هل يكفي واحد؟ ولكن الواحد مفرد وليس جمعا، والاثنان مثنى وليس جمعا، كما أنهما لا يستبعدان التواطؤ، فهل أقل الجمع ثلاثة لإمكانية عقد باثنين، أي بأغلبية اثنين ضد واحد؟ ولكن في هذه الحالة يعود أقل الجمع إلى المثنى من جديد؛ وبالتالي لا تمتنع إمكانية التواطؤ. إذا كانوا أربعة فإنه يمكن التعادل فيه، اثنان في مقابل اثنين؛ وبالتالي تستحيل البيعة. فإذا ما كان الإجماع ثلاثة في مقابل واحد، فإمكانية العقد وتواطؤ ثلاثة أصعب من تواطؤ اثنين. فإذا كان العدد خمسة، وكان الإجماع ثلاثة في مقابل اثنين، فإنه يكون إجماعا ضئيلا، وإن كان أربعة في مقابل واحد يكون الإجماع أكثر قوة، وتزداد صعوبة التواطؤ. وإذا كان ستة كما حدث في التاريخ في اختيار الإمام الرابع، فإن التعادل ثلاثة في مقابل ثلاثة وارد، والأغلبية أربعة في مقابل اثنين، أو خمسة في مقابل واحد، يعقد بها البيعة، وتزداد صعوبة التواطؤ كذلك. أما تحديد العدد ببلد الإمام أو أهله أو ولايته، فإن ذلك أدعى إلى العصبية وأخذ الإمامة لأنفسهم؛ لذلك فإن العدد هو الذي يمنع من التواطؤ قل أو كثر، كما هو الحال في العدد الكافي في التواتر وفي الإجماع، بالإضافة إلى شروط العاقدين وصفات أهل الحل والعقد؛ فالعقد بواحد يخشى منه الهوى والعقد بجميع من في أقطار الأرض تكليف بما لا يطاق.

55

وصفات العاقدين أن يكونوا من أهل الاجتهاد والعدالة. ويشمل الاجتهاد أعمال الرأي والنظر، والقدرة على الاستدلال، وحصافة الحكم، وسعة العلم. أما العدالة فتشمل القدرة على النصيحة، والدفاع عن المصالح، والتقوى والفضل. ولا فرق في ذلك بين الخاصة والعامة، بمعنى الأقلية والأغلبية، أو الصفوة والدهماء. وأهل الاجتهاد والعدالة قادرون على التعبير عن المصالح العامة للغالبية، والجهر بها في مواجهة الحكام. وهو فرض كفاية عليهم، إذا قاموا به سقط عن غيرهم.

56

ولا بد من شهود حتى يحضر العقد للإمام قوم من المسلمين أسوة بالعقود والشهود عليها، وإلا ادعى عقدا سريا لا يعلمه أحد. وليست الإمامة بأقل من النكاح الذي لا يتوافر فيه الإعلان. والإمامة خطب عظيم، وأمر جلل تعم به البلوى، ويمس كل المؤمنين. ولا يوجد حد معين للشهود، أربعة أو غير ذلك أو أكثر كما هو الحال في عدد العاقدين، يكفي الشهود العدل، أو العدد الذي به تتحقق شهادة العدل.

57 (2-3) الواقع التاريخي

يثبت تحقق الإمامة في التاريخ أنها كانت من أوائل الموضوعات التي نشأ حولها الخلاف إن لم يكن أولها على الإطلاق، ويدل ذلك على نشأة علم أصول الدين كله نشأة سياسية.

58

وقد تم تفسير الواقع التاريخي بطرق متعددة، كل منها يفهمه طبقا لنظريته المسبقة التي تدعم اختياره وتقوي موقفه. ومع ذلك يبدو بعض التناقض بين النظرية وتفسير الحدث التاريخي.

59

فإذا كانت الإمامة عقدا واختيارا، فإن الإمام الأول يكون قد تم تنصيبه بناء على إجماع الأمة ورضا المسلمين به، وليس بنص من الله أو بتوقيف من الرسول، سواء كان نصا جليا أم إشارة يقاس عليها مثل إمامة الصلاة. ويمكن أن تكون أفعاله ضمن شروط الإمام مثل قتال أهل الردة. إن كل الحجج النقلية هي في الحقيقة تركيب للنصوص على فرد معين، واستعمال لنص الوعي كنبوءة أو توجيه، ثم اختيار واقعة تاريخية معينة كتحقيق لهذه النبوءة، وتحقيق لهذا التوجيه. وذاك خطأ في التفسير؛ إذ لا يجوز إسقاط الحاضر على الماضي وقراءته فيه، فليست مهمة نص الوحي الإخبار عن المستقبل، بل تأسيس نظرية. ولا يتم اختيار واقعة معينة إلا بناء على مصلحة أو هوى، أو طبقا لرغبة واختيار إنساني؛ مما يجعل الواقعة هي المفسرة للنص، وليس النص هو المفسر للواقعة.

60

والحق أن البيعة تجب النص، فالنص لا يعين أحدا، خاصة لو كان نص الوحي، وحتى لو كان متفقا مع البيعة. فالإمامة عقد واختيار كأساس نظري في الوحي وفي الواقع. وعلى هذا الأساس تم اختيار الخليفة الأول بإجماع الأمة بعد أن توافرت شروط الإمامة فيه.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٦٢