46
ومع ذلك فقد يختلف الأمر إذا اختلف الزمان والمكان، إذا تم العقد لإمامين في وقتين مختلفين نظرا لصعوبة الاتصال الفوري، أو في مكانين مختلفين نظرا لاتساع الرقعة وترامي الأطراف؛ فالأولوية للزمان المتقدم على المكان. وقد تكون الأولوية في المكان لبلد الإمام المتوفى على غيره من البلدان. ومع ذلك فالاتصال اليوم قائم، وتم تجاوز البعدين الزماني والمكاني معا، بل قد يكشف الإسراع في الزمان عن سوء نية وطلب للنفس، كما قد يدل على الغيرة على الحق واهتمام بشئون الجماعة. أما أولوية المكان فتجعل الإمامة محصورة في بلد بعينه لا تتعداها إلى بلد آخر، مع أن المشهود لهم بالتقوى والصلاح ومن تتوافر فيهم شروط الإمامة يتجاوزون بلد الإمام المتوفى.
47
وما الفائدة من وجود إمامين أحدهما ناطق والآخر صامت؛ إذ كيف يدبر الصامت شئون الرعية أو يراجع على الإمام الناطق؟
48
وما الفائدة من وجود إمامين ناطقين في الوقت نفسه؟ أليس ذلك شقا للأمة وانشقاقا فيها؟ وقد يكون هذا الجواز تبريرا لحدث تاريخي خالص في وقت احتار فيه المسلمون بين إمامين، ووجب الاختيار حتى وقعت الفتنة واندلعت الحرب. وقد يهدف تنصيب الإمامين إلى إزالة الصراع بين الشرعية واللاشرعية حتى تضعف الشرعية وتقوى اللاشرعية، ويتكافأ الحق والباطل بدعوى حقن الدماء ووحدة الأمة؛
49
لذلك لا يجوز إلا إمام واحد تعبيرا عن وحدة الأمة وحرصا على مصالح الجماعة.
50
وقد يصاغ التساؤل بطريقة أخرى، مثل: هل يجوز أن تجتمع الأمة على أمر تختلف في مثله؟ أو: هل يجوز أن تختلف الأمة في الشيء في وقت تجتمع عليه بعد الاختلاف؟ أو: هل يعد خلاف أهل الأهواء إذا خالفوا الأحكام إطلاقا؟
51
وهي صياغات أدخل في صفة المتعاقدين، وأقرب إلى باب الإجماع في علم أصول الفقه. والحقيقة أن الأمة لا تجتمع على خطأ ثقة في العقل البشري، وقدرة الإنسان على إدراك المصلحة، وقدرة الجماعة على الحرص على المصالح العامة. والوحي لا يأتي إلى عقل خاطئ مضل، أو إلى صاحب هوى وميل. فاجتماع الأمة في أمر خلافي ممكن، كما أن اختلافها في أمر تجتمع عليه وارد. أما أهل الأهواء فإنهم ليسوا من أهل الحل والعقد؛ فالهوى ليس أصلا في التعاقد، ولكن اختلاف الفرق لا يمكن الحكم عليه بمقياس فرقة أهل الحق؛ إذ إن كل فرقة تدعيها. كما لا يجوز استعمال سلاح التكفير والتفسيق والتضليل دون الحوار والإقناع وفهم الرأي الآخر؛ فلا استحالة في عقد الإمامة أيام الفتنة والاتفاق على أكثر الموضوعات خلافا.
52 (2-2) صفة العاقدين
العاقدون هم أهل الحل والعقد. ولا يعقد الإمام البيعة لنفسه؛ إذ إن العاقد غير الإمام. كما لا يعقد المتعاقد من أهل الحل والعقد الإمامة لنفسه، بل يعقدها لغيره.
53
فمن شروط المعقود عليه ألا يطلبها لنفسه حياء وزهدا، وضرورة اعتراف الغير به، وعقد إرادة الأمة عليه؛ فالحكم مسئولية يتطلب زعامة شعبية وإجماع إرادة الأمة عن بكرة أبيهم، وإنما أراد بذلك الطعن في إمامة علي إذا كانت البيعة والعقد. هل لا بد من إجماع تام على اختيار الإمام أم يكفي البعض؟ وما مقدار هذا البعض؟ قد يصعب إجماع الخاص. وهي القضية نفسها في الإجماع في أصول الفقه، وقضية الاستقراء في المنطق.
54
ولكن مع السيطرة على بعد المكان وتشابك وسائل الاتصال وسرعة الانتقال، فإن الإجماع التام تقل صعوبته، ولكن تبقى قضية اختلاف المصالح باختلاف الأماكن والعادات والأعراف. وقد يكون الإمام المحلي أقدر على فهم مصلحة أمته من الإمام العام للأمة الموحدة مجموع الأمم. وفي هذه الحالة يمكن الجمع بين الاثنين عن طريق الإمام الواحد والولاة المتعددين. ومع ذلك قد يحدث في مراحل الضعف والانهيار أن يضعف الإمام ويقوى الوالي، فيستقل بأمته، وتنشأ حركات الانفصال كما وقع في التاريخ.