تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

43

ولا قياس لمنصب القضاء على الإمامة إذا لم يقع الأول بالبيعة؛ فالقضاء حكم في الخصومات طبقا للشرع، ولا فرق بين قاض وآخر إلا في الحصافة. والقاضي معين من الإمام الذي اختاره الناس؛ وبالتالي يكون مقبولا تعيين القاضي على أساس من الاختيار غير المباشر. القضاء جزئي، والإمامة كلية. القضاء فرع، والإمامة أصل. ولا ضير أن يكون الفرع بالتعيين، والأصل بالاختيار؛ فالفرع يلحق بالأصل وليس العكس.

44

وتقيم باقي الشبهات في المختار، سواء الذي يقوم بالاختيار أو الذي يقع عليه الاختيار، كما يقع البعض الآخر في فعل الاختيار، اختيار إنسان لإنسان آخر كي يمثله نيابة عنه. فإن قيل في فعل الاختيار: لو جاز لمن يختار الإمام ليقيم الحدود لجاز له ذلك بنفسه، وهو أولى؛ لأن الإمام مفوض من الجماعة لتنفيذ الشرع، وليس الفرد مفوضا. ولو كان الفرد كذلك لكان عدد الأئمة مساويا لعدد المؤمنين، كل مؤمن إمام. ولكن الإمام يمثل إرادة الجماعة، ويرعى المصلحة العامة؛ ومن ثم لزم التمثيل، ووجبت النيابة؛ لذلك لو اختارت جماعة من الأمة الإمام لجعلته خليفة على أنفسها. والخلافة تكون على الغير كما تكون على النفس. الإمام تمثيل للنفس وللغير، ونيابة عن الأنا والآخر. وعلى الرغم من كون الإمام أعلم الناس إلا أنه يمكن اختياره لذلك ممن هو أقل منه علما، ولا يكون ذلك طعنا في الاختيار. العلم شيء، والاختيار شيء آخر. الاختيار تعبير عن إرادة الجماعة لا عن علمها. صحيح أن الاختيار يكون إما من كل الأمة، وهذا إهمال للإمامة؛ أو من البعض، وهذا تعسف؛ فليس البعض أولى من البعض الآخر، ولكن لا حل آخر لتسيير أمور الأمة، إما تمثيل الكل للكل، وهو مستحيل عمليا، نظرا لاختلاف قدرات الناس في العلم والفضل؛ وإما تمثيل البعض للكل، وهو الممكن عمليا، والسائد واقعيا. ولا مكان للقرعة أو للتحكيم؛ فالإرادة الحرة أفضل من المصادفة العشوائية في الاختيار، والقصد خير من الرجم بالغيب. وصحيح أيضا أن الاختيار ليس من واحد ولا في الكل، بل من البعض، وأن صفاتهم ليست أولى من الأخرى، ومع ذلك فصفات العلم والفضل والقصد إلى رعاية مصالح الناس صفات موضوعية تجب الكل والجزء، الجمع والفرد. وهي صفات المتعاقدين في حدود الإمكان البشري. وإن عظمة الإمامة لا تستوجب تركها لغير البشر؛ فالبشر هم المئولون والمفسرون للنصوص، ولكن بضمانات أكثر من العامة والخاصة. من الجماهير والعلماء يمكن اختيار الإمام، ولا يوجد بديل إنساني آخر. وإن اختيار البعض دون البعض لا يسبب فتنة أي الفريقين يتبع الآخر؛ فالإمامة مسئولية وبلية، وحسابها عسير من الله ومن الناس، في الدنيا والآخرة. ومن يطلب الإمامة لنفسه تسقط عنه؛ فلا خوف من الشقاق. البعيد عنها خير من القريب منها، والرافض لها أكثر أمنا من الطامع فيها. كما أن وحدة الأمة تمنع الشقاق. تندفع الفتنة لأنه لا تجوز البيعة ثانيا بعد البيعة الأولى. وإن التشكك في صفات المتعاقدين، أهل الحل والعقد، لأنهم لا يعرفون أمورهم، فكيف يولون عليهم غيرهم؟ أو لأنهم لا يتمثلون بصفات العصمة والعلم، والإيمان يقوم على طلب المستحيل، وليس على تحقيق الممكن. فيمكن للإنسان ألا يعرف أموره، ومع ذلك يكون قادرا على اختيار من ينوب عنه في ذلك. وليس منا معصوم، وكل علم أو إيمان يكون في مقدور الإنسان.

45

ولو عقد لإمامين في وقت واحد فالإمامة للبيعة الأولى لو كانت هناك أسبقية، ولكن هل تجوز القرعة لو كانتا في وقت واحد؟ إن القرعة حكم بالمصادفة، وتحكيم للعشوائية، ونفي للقصدية. في هذه الحالة يتم الاختيار من جديد عن طريق الأفضل طبقا لمقاييس التفضيل. ويجوز أيضا تنازل أحدهما للآخر؛ لأن من يطلب الإمامة لنفسه تسقط عنه، والتمسك بها في حالة اختيار إمامين في وقت واحد نوع من طلبها للنفس. الإمام هو المتقدم وليس المتأخر، وكان من واجب المتأخر بيعة المتقدم. لا وجود للقرعة أو للاحتكام، فالقرعة مصادفة، والاحتكام يمكن للأهواء أن تتدخل فيه، والأضمن تطبيق الشروط، ورعاية المصلحة، ووحدة الأمة، وتنازل الأخير للأول. فلو لم يتنازل أحدهما لكان كل منهما راغبا في الإمامة؛ وبالتالي تسقط عنه.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٦٠