37
وقد يستعمل لفظ الشورى كمرادف للاختيار.
38
ولكن هل تجوز الإمامة اغتصابا من صاحب شوكة، حتى ولو بايعته الأمة بعد ذلك عن رضا وقبول؟ إن إقرار الواقع وهو اغتصاب السلطة لا يجعلها شرعية. وفي هذه الحالة لا بد من البيعة والرضا والاختيار والقبول. وإن لم تحدث البيعة يصبح الإمام مغتصبا للسلطة لا حق له في الإمامة.
39
والدليل على ذلك الإجماع. فكل من انتدب لنصرة الأمة، وقاوم الظلمة، ودافع عن البيعة، وأقام الثغور، وأعطى الحقوق للمستضعفين، فهو الإمام.
40
وهناك علاقة بين الوجوب وكيفية الثبوت؛ فالوجوب على الله يؤدي إلى إثبات الإمامة بالنص والتعيين، والوجوب السمعي أو العقلي على العباد يؤدي إلى إثبات الإمامة بالعقد والاختيار.
وبالرغم من الشبهات التي تلقى على العقد والاختيار فإنه يمكن إزالتها، ويظل الاختيار هو الطريق الوحيد أمام الجماعة لتنصيب إمامها، فيقال مثلا: لو كان الأصل هو العقد والاختيار لكان الطريق إليها إما العقل أو الشرع؛ والعقل لا يجوز لأن الإمامة حكم شرعي، والطريق إليها شرعي؛ والشرع إما الكتاب أو السنة أو الإجماع، وليس فيها عقد أو اختيار. والحقيقة أن ذلك بناء نظري مغلوط؛ فالاختيار طريقه العقل، وبالرغم من أن الإمامة حكم شرعي إلا أن الشرع يقوم على العقل، وهي وظيفة عملية مصلحية تدرك بالعقل. وإذا كان حكمها شرعيا في الكتاب أو السنة أو الإجماع، فإن الشورى منصوص عليها في الكتاب والسنة، أجمع عليها المسلمون وأقرها الاجتهاد. والإمام ليس خليفة لله أو للرسول لا يجوز إلا بالنص، بل هو خليفة لمن اختاره؛ فالله لا يخلفه أحد، والرسول أيضا لا يخلفه أحد.
41
والرسول لا يتولى الإمامة بنفسه، ولا يوكلها إلى غيره، بل يقضي بها بعد إبلاغ الرسالة، ويقوم الإمام نائبا عن الأمة وليس خليفة للرسول. وفرق بين النبوة والإمامة، ولا قياس بينهما؛ فالنبوة تعيين ونص، في حين أن الإمامة عقد واختيار. وإذا اختص النبي بالعلم عن طريق الوحي، فإن الإمام يختص بالعلم عن طريق الاجتهاد. وإذا كانت وظيفة النبوة نظرية فإن وظيفة الإمامة عملية. النبي يبلغ الوحي ويعلم الشريعة، والإمام ينفذه ويطبقها. الاختيار إذن ليس حتما نصا من الرسول وإن كان كذلك، بل نابع من طبيعة العقل وضرورة المصلحة. وإن القول بالاختيار نصا مثل القول بالنص عقلا. ولا خوف من الخطأ في الاختيار؛ فالأمة لا تجتمع على خطأ، والناس أدرى بشئون دنياهم. وإن تحقيق المصلحة يكون طبقا للغالب، والاجتهاد في النهاية أصل من أصول الشريعة. وفي القياس أصول وقواعد تحميه من الخطأ وتحرسه من الوقوع فيه. وإن من شروط الإمام التقوى والورع اللذان يمنعان ازدواجية الظاهر والباطن؛ حتى لا ينخدع الناس في الاختيار. وإن جواز الوصية والعهد لا يطعن في جواز الاختيار؛ لأن العهد إنما هو اختيار مبدئي في حاجة إلى تصديق من اختيار الأمة في بيعة عامة بقبول جميع الناس ورضاهم. ولا حاجة إلى معصوم يعلم الناس كيف يختارون، فالاختيار يتم طبقا لشروط موضوعية في الإمام، ويحتوي على أكبر قدر من الصحة في الحكم، حكم الجماعة وليس حكم الفرد. وإن اختلاف الأمة إلى مذاهب وفرق لا يمنعها من الإنفاق على إمام، فالمصلحة العامة واحدة، والخلاف لا يفسد في الود قضية. ولا يحتاج الاختيار إلى ضبط آخر غير شروط الإمام وصفات المتعاقدين، ولا توجد إلا رقابة الأمة، ولديها أدوات لخلع الإمام والثورة عليه. وإن خطأ الإمام محدود بالاجتهاد، ومصحح بالرقابة عليه والتذكير والنصح له.
42
وقد تثار شبهات حول طبيعة الاختيار والتناقضات فيه، وهي كلها وهمية يسهل إزالتها. فإذا كان الإمام واجب الطاعة فإن الاختيار يوجبها أيضا طالما التزم الإمام بشروط العقد، فلا تناقض بين الطاعة والاختيار. الاختيار يوجب الطاعة المشروطة، بعكس التعيين الذي يوجب الطاعة المطلقة. وإذا أوجب الاختيار العزل فإن ذلك لا يجعل النص أفضل منه؛ لأن الإمام إذا ما تهاون في الدفاع عن البلاد، أو ظلم وتجبر وقهر، ولم يستمع لنصح أو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وجب عزله. العزل إذن واجب كالاختيار، في حين أن المعين بالنص لا يمكن عزله.