تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19

وهناك نصوص أخرى أكثر صحة من الأولى، ولكنها تدل على اختيار النبي للإمام الرابع باعتبار النبي بشرا، وليس باعتباره نبيا؛ نظرا لقربه منه ومودته له، وإعلانا عن ذلك وسط جموع المنافقين، وردا على إنكارهم عدم تولي الإمام الرابع إمارة الجيش في إحدى الغزوات الأخيرة. والقصد هو إعلان القرب والمودة في حياة النبي، وليس الخلافة له بعد مماته. كما يدل على شد الأزر والاستعانة به دليلا على الأفضلية، وليس إعلانا عن المشاركة في النبوة أو النص على الخلافة. ولفظ الاستخلاف عام لا خاص، يدل على الخلافة في الصلاة وفي غيرها، وليس على الإمامة وحدها. كل له فضله، الإمام الرابع وغيره؛ هذا في المودة والقرب، وذاك في العلم، وثالث في التشريع ... إلخ. وما أكثر النصوص التي قيلت في الكثيرين ، وهي كلها أخبار آحاد لم يحتج بها أحد على خلافته، وأطاعوا الإمام الذي بايعه الناس وعقدوا له واختاروه.

20

أما الإعلان عن الإمامة الصريحة نصا وتعيينا فإن كل الأخبار الواردة بشأنها موضوعة متواطئة، ولو كانت صحيحة متواترة لأثرت في مجرى الحوادث، ووجهت اختيار الإمام الأول. وقد نقلت أخبار أخرى صحيحة معارضة، وتمت معارضتها بأخبار أخرى دون أن تظهر أخبار النص والتعيين في مجال المعارضة وهي على أشدها. وإن تأخر الإمام الرابع عن البيعة مثل تأخر غيره لانشغاله في موضوعات أخرى؛ مما يدل على أن الإمامة لم تكن قصدا موجها له ولا غاية له. ولم يمنع الإمام الرابع من بيعة الإمام الأول أو الثاني أو الثالث، ورضي بالبيعة عقدا واختيارا، وشارك فيها. وكيف تكتم الجماعة المشهود لها بالحق نصا لتعيين الإمام الرابع وهم يحرصون على نقل النصوص وجمعها؟ وقد تم نقل نصوص في موضوعات أقل أهمية، فكيف لا تنقل نصوص في الموضوعات الأهم مثل الإمامة؟ وإن النصوص حول إمامة غيره أقوى من النصوص على إمامته، ولم يحتج أحد بها. وقد نقلت نصوص حول عدالة الإمام الرابع وشجاعته، فكيف لا تنقل نصوص صحيحة وصريحة على إمامته، وقد وجد في بيئة منقسمة عليه بين أنصار وأعداء، والنص سلاح الخصوم؟

21

وإن كثيرا من النصوص الأخرى لتخلط بين الإمامة والفضل، بين الإمامة والعصمة، بين الإمامة والقربى، بين الإمامة والمودة، بين الإمامة والأخوة، بين الإمامة والطاعة.

22

أما النصوص الأخرى فإنها تدل على فضائل الإمام الرابع وليس على إمامته. وهي فضائل يمكن ردها إلى الصفات التي يجب توافرها في الإمام وفي شروطه، وكثير منها قد يدل على العصمة أو الطاعة أو الفضل أو القربى أو المودة، وليس بالضرورة على الإمامة. وبالإضافة إلى أن كثيرا منها أخبار آحاد؛ فإن مثلها كثير في فضائل باقي الصحابة، وكثير منها عام في جميع المؤمنين، وبعضها يشير إلى النبوة لا إلى الإمامة. وكان الإمام الرابع يثبت خلافة الإمامين الأول والثاني، ولا يعتبر نفسه أحق منها.

23

أما الصفات الشخصية مثل العلم والعدالة والشجاعة، فإنها تؤهل للإمامة اختيارا لا نصا ضمن شروط الإمام، وهي صفات مكتسبة بجهد الإنسان واستحقاقه، وليست مخلوقة سلفا فيه. والقضاء والعلم والسلام والشفقة كلها شيء، والإمامة بنص صريح شيء آخر. وكل ذلك يمكن حمله على تعظيم الإمام الرابع في الدين، وعلى علوه فيه، لا على الإمامة، وعظمته في الدين مثل عظمة باقي الجماعة وصونها من الفسق والنفاق. وقد بلغت الأخبار بذلك مبلغ التواتر.

24

وقد تكون هناك عدة وقائع أبلغ من النص الإجمالي أو الجلي، مثل استخلاف الإمام الرابع في حياته. ولكن مثل هذا الاستخلاف كثير وعام في غيره، ولا يخص الإمامة.

25

وهناك حجج معنوية أخرى لإثبات الإمامة بالنص والتعيين تعتمد على العقل! وهو تناقض منهجي يقوم على إثبات النص والتعيين عقلا، ولا يثبت الإمامة عقلا؛ فمثلا لا يجوز أن يكون عالما باحتياج الخلق إلى الإمام وفقا لما وردت به الأدلة السمعية، وإلا كان قدحا في نبوته. كما لا يجوز أن يكون عالما بذلك دون أن ينص عليه، وهو أهم من الاستنجاء والتيمم، وإلا وقعت الأمة في الخطأ. والحقيقة أن الرسول علم أن الإمامة لا تتم إلا اختيارا، فتركها كذلك بيعة للأمة وشورى بينها. والنص حجز لقدرات الأمة وقيد عليها. يبين الرسول الاستنجاء والتيمم لأنها أمور شرعية، أما الإمامة فعقلية مصلحية لم يبينها الرسول لأن الناس أعلم بشئون دنياهم. وإذا كان الإمام تكميلا للدين فإن تركه بيعة واختيارا ليس معصية، بل إن التنصيص عليه حجر على الأمة وحصر لمصالحها. ولا يمكن إجماع الأمة على أئمة بعينهم محصوري العدد دون غيرهم، وإبطال الجميع إلا واحدا يكون هو الإمام الحق؛ لأن السبر والتقسيم في علل الأحكام وليس في إجماع الأمة على الأئمة. الأئمة ليس لهم عدد معلوم طالما أن الزمان قائم والأمة في التاريخ.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٥٦