26
ويستمر التعيين في التاريخ وراثة أو وصاية؛ فالدم المنبثق عن الإمام الأول مثل النص عليه في الوحي. ويعود النص من جديد من إمام على غيره، فتكتمل الدورة في النص إلى الدم، ومن الدم إلى النص.
27
وهل نص الإمام الرابع على إمامة بنيه؟ هل هناك صراع بين الأخ والابن في نسق القرابة؟ ولماذا لا تكون الوراثة في الأبناء وحدهم وتكون في الآخرة أيضا؟ وما العمل إذا ما وقع خلاف في شجرة الأنساب؟ ولماذا يتم اعتبار مؤسس الفرقة إماما وهو ليس من نسل الإمام الرابع، وكأن الوصية تعادل الوراثة؟ هل يمكن ضبط ذلك بنسق للقرابة؟
28
ماذا يحدث لو كان الإمام الوريث صبيا أو طفلا رضيعا؟ أليس العقل والبلوغ من شروط الإمام أو وصيته لهم؟ وما العمل لو لم تتحقق من الإمام المنصوص عليه أو الموصى إليه شروط الإمامة؟ ماذا لو كان مجنونا أو فاسقا؟
29
وقد تكون الوصية شفاها؛ وبالتالي تكون نصا غير مكتوب. وهنا تخضع الوصية لمناهج النقل الشفاهي. وهل يعادل نص الوحي على الإمام على بنيه؟ كل هذه تساؤلات من أجل إعادة الواقع التاريخي إلى أسس نظرية دون تحويل هذا الواقع نفسه إلى نظريات. ولما كان التعيين في التاريخ يتم في مجتمع الاضطهاد في مواجهة مجتمع القهر، فإنه ينشأ محاطا بمؤامرة الصمت والظلم ضد الإمام المعين. وإن خف ضغط القهر يصبح الإمام المعين مجرد أفضل الناس وقع عليه غبن غير مقصود، ودون مؤامرة الصمت والإبعاد. وإن خف ضغط القهر أكثر وأكثر تطيب نفس الإمام المبعد زهدا في الدنيا وترفعا عليها. وإن زاد ضغط القهر والظلم فقد تخرج الإمامة عن نسل الإمام، إما بظلم غيره أو بتقية منه، ويعود أحد الأبناء ليخرج شاهرا سيفه، ويصحح مسار الإمامة في التاريخ، عائدا بها إلى حظيرة الدم ورحم الولادة.
30
فإذا ما ظهرت عيوب التعيين بالنص على إمام بعينه، اكتفى النص بالإشارة إلى وصفه أو فعله دون اسمه أو رسمه. وقد يكون نصا خفيا لا نصا جليا؛ فإذا ما استمر الخلل يمكن حينئذ الجمع بين النص والشورى، النص أولا حتى أحد الأبناء، وبعدها الخروج والدعوة.
31
وقد ساعدت البيئات الدينية المجاورة في إعطاء نماذج للوراثة والوصاية، لما كان الواقع الاجتماعي يفرز بنيته التي تحتاج إلى نموذج ذهني سرعان ما يتسرب إلى البيئة الأصلية.
32
وقد يصل الأمر إلى تكفير الجميع، كل من اغتصب الإمامة من الإمام المنصوص عليه؛ فالتاريخ مؤامرة، والحق مهضوم، والشرعية ضائعة. ويحدث الفصام بين جماعة الحق وجماعة الباطل، براءة من الله ومن المشركين. وفي هذه الحالة ينسخ القرآن ويرفع إلى السماء، فلا بقاء له في صدور المغتصبين، ولا ولاية لهم عليه، ويصبح مغتصبو السلطة هم المحرمات والطواغيت. وقد نشأ الصراع منذ قديم الأزل بين الخير والشر، بين الشرعية واللاشرعية، والأمانة هي حمل الإمامة والعودة إلى الشرعية.
33
يختلط الواقع بالأسطورة أو يتحول إلى حلم. إذا ما ضاع الحق واستشهد الإمام فإنه يبقى حيا لا يموت، يعود عن قريب، وينتظره الناس. وإذا ما أفاقت الجماعة فإنها تدرك أن إمامها قد خدعها، فتثور عليه وتقتله. وكلما ضاع الواقع جعلت الأمة همها كله في الإمامة. ضياع الأسفل يتحول إلى وجود الأعلى، وغياب القاعدة يؤدي إلى التركيز على القمة. وكلما ضاق الخناق وقل الانفراج على الخارج، ازداد التقاتل على الداخل، مثل الطفولة اليسارية في حركات المعارضة. وتصطدم الشراذم بالسلطة، وينكشف أمرها، وتزداد تشتتا.
34
والحقيقة أن التعيين بالنص رجوع إلى الوراء، وإسقاط للماضي على الحاضر، وإعادة قراءة الماضي بناء على الوضع النفسي الحاضر؛ فالنص لا يتحدث ولا يتحول إلى معنى، بل يجعله المتأول يتحدث طبقا لما يريد؛ فالأصل هو الواقع الحالي، وهو الذي يعطي النص مضمونه ومحتواه. وبدلا من تحليل الواقع ذاته ومكوناته يتم الاعتماد على حجة السلطة في مجتمع النص فيه مصدر سلطة. أما الواقع التاريخي فكله أصبح بغير ذي دلالة. وماذا يفيد الواقع الآن لمعرفة أيهما كان على حق أو أي الفريقين كان أحق بالخلافة؟ إن الوقائع التاريخية المحددة ليست جزءا من الإيمان أو مضمونا للعقيدة، إنما الدلالة في التعيين بالنص أو العقد بالبيعة. إن إحالة موضوع الحكم إلى الواقع التاريخي القديم لهو تعويض عن الحاضر الضائع والاغتراب عنه، تشبث بالأسلاف في ضياع الأحفاد، والبحث عن الحق بينهم وفي خلافاتهم عجزا عن البحث عنه بيننا وفي خلافاتنا. وبالرغم من جماهير أهل السنة التي نعيش بينها إلا أن الحكم لدينا أقرب إلى الشيعة؛ أي تعيين الإمام بالنص أو الوصية، ضابطا عن ضابط أو أميرا عن أمير أو ملكا عن ملك. وبالرغم من أن الشيعة تقول بالنص والتعيين إلا أنها كانت أقدر على الثورة على الحكم الظالم. وهو تناقض في الصلة بين الموروث القديم والنية الحالية يبعث على التساؤل من جديد: إلى أي حد يقبع الموروث في البنية النفسية للعصر؟ (2) الإمامة عقد واختيار