16
وقد يقرن النص بالخروج، النظر بالعمل، الفكر بالواقع، الشرع بالاستحقاق، فيكون الطريق إلى ثبوت الإمامة هو النص والخروج، فإذا انطبق النص وحده على الأئمة الثلاثة الأوائل من آل البيت، فإنه لا يكفي بعد ذلك إلا مقرونا بالدعوة والخروج؛ فكل من شهر سيفه وخرج لنصرة الأمة، ونابذ الظلمة، استحق الإمامة وانقياد الناس له. وإذا كان النص قد ورد على أئمة بعينهم، فإنه يكفي الخروج لتحقيق النص والتطابق معه.
17
ويبدو في ذلك تنظير للأحداث السياسية التي أوجبت الخروج بعد الأئمة الثلاثة الأوائل من آل البيت، واستتباب الأمر للسلطة، وتحول المعارضة إلى خروج بالسيف دفاعا عن الحق ومقاومة للظلم. ومع أن الخروج على الإمام بالسيف حق إذا خان الإمام أو استسلم للأعداء أو تهاون في تطبيق الشرع أو الذب عن البيضة وبناء الثغور وتقوية الجسور، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إلا أن ذلك لا يحدث إلا بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة في الدين. كما أن الخروج ليس دعوة للذات طلبا لبيعة الناس، بل لمقاومة الإمام الظالم حتى يأتي الناس ببيعة جديدة لإمام عادل. وقد تتكاثر الأئمة إذا ما خرج الكثير على الإمام الظالم لمقاومته، فيستحيل بعد ذلك اختيار أحدهما إماما ومبايعة الناس له. قد يحدث ذلك في حال تنصيب إمامين، فيتم الخروج على أحدهما والدعوة إلى الآخر، وليس في حالة الاتفاق على إمام واحد. وقد يستعصي الحل السلمي إذا ما نظر إلى الأفضل والأزهد أولا، فإن تساويا نظر إلى الأمتن والأحزم، فإن تساويا انفلت الأمر وتحول إلى حرب بينهما، كل منهما يدعي الإمامة ويفتي ضد الآخر، لدرجة إباحة دمه واستحلال حرماته. ونظرا لغياب العقل ينتهي الأمر كله إلى التقليد.
18
والحقيقة أنه في مجتمع يقوم فيه كل شيء بالتعيين، ولا أثر فيه للاختيار الحر، تكون الإمامة فيه بالتعيين أضر، والاختيار لها أصلح، وفي مجتمع آخر يضيع فيه الاختيار، ولا تنعقد له بيعة، قد يصح فيه ضبطه بالنص وبحجة السلطة. ومع ذلك فلا يمكن إخراج أحكام من نصوص؛ إذ تأتي الأحكام من تحليل الواقع. وقد أتت النصوص من قبل نموذجا لأحكام صدرت بعد تحليل الواقع وتجربتها فيه. (1-3) الواقع التاريخي
ويتحقق التعيين بالنص في الواقع التاريخي، وكأن التاريخ يسير وفقا للنص، وليس النص تبريرا لوقائع التاريخ، وما أسهل أن يجد الحدث التاريخي له أصولا في النصوص. ولما كان الحدث التاريخي فعلا إنسانيا واختياريا إجماعيا، وكان النص الديني وحيا مدونا، فإن الحدث التاريخي يفرض نفسه على النص، ويجد نفسه مقروءا فيه. ولما كان الحدث التاريخي خاصا، والنص الديني عاما، فرض الخاص نفسه على العام، فخصص العام وطبق على الخاص. وتنازع النص اتجاهان؛ الأول: للمحافظة على عمومه خارج التاريخ كمبدأ نظري عام. والثاني: من أجل تخصيصه على حدث معين أو شخص بعينه حتى يكون تعيين الإمام بالنص. فإذا ما اختلف الخياران الإنسانيان حدث الجدال حول النص، وتحول الموقف كله إلى جدل ومحاجة لتبرير المواقف السياسية المسبقة. ويحدث ذلك إما بالشك في صحة الخبر من أجل تقويض مواقف الخصوم السياسيين، أو إعادة تأويل معناه بحيث لو ثبتت صحته يكون ضد الخصم وليس معه. ويكون أيضا بإيراد خبر مضاد في مقابل خبر الخصم حتى تتكافأ الأدلة، وإبراز معنى ضد معنى، ولا يكون أحدهما أولى من الآخر. فالأول جدل سلبي، والثاني جدل إيجابي. الأول ينزع من الخصم سلاحه ويرده إليه، والثاني يوجه إليه سلاحا جديدا.
وما أكثر النصوص لإثبات التعيين بالنص على الإمام الرابع، بل إن مجرد اختلاف صياغاتها تدل على عدم صحتها؛ وبالتالي يؤدي إلى الشك فيها. وإن الاختلاف في حجمها وترددها بين الطول والقصر، بين العموم والخصوص، ليشير إلى قدر الوضع فيها من أجل تبرير إمامة شخص بعينه في مجتمع النص الديني فيه حجة ومصدر سلطة، كما أن كثرة النصوص من الحديث وزيادتها على نصوص القرآن تدل على احتمال الوضع؛ لأنه سهل في الحديث، مستحيل في القرآن. فمثلا آيات الموالاة في القرآن بالرغم من كون بعضها قد نزل بمناسبة شخص بعينه، حتى ولو كان الإمام الرابع، إلا أنها عامة وليست خاصة، كما أن الولاية لا تعني الإمامة؛ فالولي هو الناصر وليس المتصرف، مثل تحريم موالاة اليهود؛ فالولاية اسم مشترك تعني النصرة، وليس الإمامة الواجبة الطاعة؛ فالله ولي، والرسول ولي، والمؤمنون أولياء بمعنى نصراء، وليس بمعنى أئمة. والله لا يؤم الناس، ولكن ينصرهم. ولماذا يعني الرسول بالموالاة الإمامة، فيخرج الاسم عن مدلوله، ويختلف المسلمون في تأويله، مع أن أمرا مهما كهذا، أصلا من أصول الدين، كان يمكن لو صح النص والتعيين فيه أن يقوله الرسول صراحة؟ ولكن الشرعية التاريخية الضائعة في مجتمع الاضطهاد وضعت نصوصها كنوع من المقاومة لمجتمع القهر، وكأن الذات تخلق الموضوع دفاعا عن وجودها فيه.