وقد تقف المعجزة وحدها كدليل بديل عن النص أو معه، فيختلط إثبات الإمامة بإثبات النبوة. وإذا لم تكن المعجزة دليلا على النبوة فالأولى ألا تكون دليلا على الإمامة.
14
وقد تثبت الإمامة بالنص مقرونا بالعقل؛ لأن العقل يقتضي أن تكون الإمامة نصا وليس اختيارا، تعيينا وليس عقدا. لا يمكن القول بالنص وحده دون تدخل العقل، إما في ضرورة وجوبه أو في إثباته أو في فهمه ومعرفة علته ومعناه. وهذه أشبه بالحجج العقلية على ثبوت الإمامة بالنص، منها: أن أمرا مهما في الدين كهذا لا يترك لاختيار الأمة، بل لا بد من النص عليه. وكأن الاختيار ليس موضعا للثقة. والنص أدعى إلى الاتفاق من الاختيار الذي يوقع الخلاف ويسبب الشحناء والبغضاء. مع أن الخلاف على تأويل النصوص ليس بأقل من الخلاف في الاختيار والعقد. كما أن الصلاح يقتضي النص على الإمام وتعيينه. وكأن الاختيار أسوأ من النص وأقل صلاحا منه، مع أن به ضمانا أكثر نظرا لأنه يقوم على الاجتهاد والاختيار الحر. وأخيرا لو جاز ثبوت الإمام بغير نص لجاز ثبوت النبي. وكأن الإمامة مثل النبوة، مع أن النبوة تبليغ للوحي، فهي قضية دين ودنيا، في حين أن الإمامة تنفيذ للوحي، فهي قضية دنيا فحسب، وليس فيها تبليغ وحي، وظيفة عملية صرفة، وليس لها أي دور معرفي مثل النبوة.
15
وإن كل الشبه التي وردت لتأسيس التعيين بالنص على العقل مردود عليها؛ أولا: إذا كان الإمام حجة ومستودعا للشرعية وقيما يحفظها ويؤديها، فإن ذلك يستدعي بالضرورة تعيينه بالنص، بل يمكن ذلك بالاختيار، فالناس أدرى بشئون دنياهم. ولكن الإمام ليس حجة الشريعة يحفظها ويؤديها، ويفسرها ويئولها، بل الإمامة وظيفة تنفيذية خالصة، يقوم بها أي إنسان قادر، ولا يعرف ذلك إلا الناس. إذا كانت الإمامة معرفة فهي معرفة بعدية وليست قبلية يتم الحصول عليها باستقرار قدرات البشر بعد الخلق، وليس تعينا قبل الخلق. هي اختيار مسئول تتحمل الأمة تبعاته. ثانيا: إذا كان الإمام يقوم بمصالح الدين فلا يجب بالضرورة أن يكون معصوما، وإن العصمة لا تعرف إلا بالنص. يلزم فقط أن يكون قويا قادرا على أداء الأمانات، والقيام بالولايات. وأول شرط لذلك هو اختيار الناس له حتى تتم الطاعة له؛ فالعصمة ليست شرطا في الإمامة لأنها تقوم على اجتهاد وإجماع، وتعتمد على النصيحة والشورى، ويراقبها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا يمكن معرفة العصمة بالنص لأن العقل يرفضها، والنص يطابق العقل ويؤكده. هناك فرق إذن بين الإمامة والعصمة. إثبات الإمامة ممكن بالاختيار، في حين أن العصمة لا اختيار فيها، ولا عصمة لأحد، وتنفيذ الأحكام وتطبيق الحدود يستلزم معرفة الشريعة التي تقتضي أيضا المعرفة بأحوال الأمة، ويتدخل فيها الاجتهاد؛ لذلك توجد السلطات القضائية لمراجعة أفعال الإمام. ثالثا: لا توجد في الإمام صفة زائدة مثل العصمة أو غيرها، ولا اجتهاد فيها، ولا بد أن تكون بنص، وإلا كان هناك تكليف بما لا يطاق؛ فالصفة هي مجرد الشرط الذي يجب توافره في الإمام ضمن باقي الشروط، مثل العدل والقوة. ويمكن معرفة ذلك بالعقل والمشاهدة، بالرؤية والتجربة، كما هو الحال في تحقيق المناط عند الأصوليين، وليس في ذلك أي تكليف بما لا يطاق. رابعا: إذا كان الإمام أفضل الناس فيمكن معرفة ذلك من خلال السلوك وليس من النص؛ فالنص لا يشير إلى أشخاص بعينهم، بل إلى حالات عامة أو أنماط سلوكية مثالية تتحقق في هذا الفرد أو ذاك، وإلا فقد النص شموليته. كما يصعب الانتقال من النص إلى الشخص دون إسقاط أو تدخل هوى، وكل مفسر يرى فيمن يحب الشخص المشار إليه. تعرف الأفضلية كالشرط تجريبيا وواقعيا وليس قبليا. لا يعني الوحي الأفضل لأنه متناه والخلق لا متناه. هذا بالإضافة إلى جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل في ظروف معينة إن كان تولي الأفضل يسبب ضررا على الأمة، مثل الشقاق أو الفتنة.