تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24

وبهذا لا تفترق السلطة عن المعارضة السياسية في ضرورة الإمام، الإمام القاهر، والإمام العادل، سواء من حيث الوجوب السمعي أو الوجوب المصلحي، فلا قوام للجماعة بدونه.

25

وقد يتركب دليل شرعي يعتمد على الإجماع المتواتر أو تواتر الإجماع. وفي هذه الحالة تظهر الحجة المصلحية كما ظهرت في الدليل النصي، بل إن الحجة المصلحية تظهر كمقدمة جزئية مع الإجماع المتواتر كمقدمة قطعية. الأدلة السمعية إذن اثنان؛ الأول: تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأولى بعد وفاة النبي على امتناع خلو الوقت عن إمام، ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى تنصيب إمام متبع. ومستند الإجماع نقل متواتر توفرت الدواعي والقرائن عليه.

26

ولكن الطعن في حجية الإجماع يهدم الدليل؛ وبالتالي تهدم الإمامة، فجائز أن يحدث خطأ في الإجماع، وأن يتغير من عصر إلى عصر طبقا للظروف والمصالح، وأن يخطئ كل فرد نظرا لاختلاف الطباع، وأن تكون الأحاديث التي هي مستند الإجماع آحادا ظنية، وأن يكون معارضا بحديث آخر أو بإجماع آخر، إلى آخر ما هو معروف من نقد بعض المتكلمين للإجماع، ونقد العقل لحجة السلطة؛

27

لذلك يقرن الإجماع بالدليل الثاني، وهو المصلحة، تفاديا لنقد الإجماع؛ وبالتالي يصبح للدليل مقدمتان؛ الأولى: قطعية، وهي أن نظام الدين مقصود لصاحب الشرع قطعا. والثانية: جزئية، وهي أنه لا يحصل نظام الدين إلا بإمام مطاع. وتكون النتيجة قطعية، وهي وجوب نصب الإمام. ويمكن البرهنة على المقدمة الجزئية الثانية بأمرين؛ الأول بأن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، والثاني أن نظام الدنيا لا يحصل إلا بإمام مطاع. وفي هذا الدليل تظهر حجة المصلحة أساس المقدمتين معا كقصد للشرع، وكضرورة في الدنيا؛ فالمصلحة هي التي تجمع بين الدين والدنيا، أساس الدين، وضرورة في الدنيا.

28

ويمكن الجمع بين الحجتين، الإجماع والمصلحة، في حجة واحدة، وهي أن ما دام فيه ضرر مظنون فإن دفعه واجب إجماعا. وفي هذه الحالة إذا تم نقد الإجماع فإنه لا يمكن نقد المصلحة. وطالما قامت الفتن في حال وفاة إمام وتنصيب آخر. ليس في الإمامة إضرارا منفيا لأنه لا ضرر ولا ضرار. وإن الإضرار الناشئ من ترك الإمامة أعظم من الإضرار الناشئ من تنصيبها، ودفع الضرر الأعظم عند التعارض واجب. وإن تولية الإنسان على مثله ليس ضررا؛ لأن الولاية ليست للشخص، بل للشريعة، ولأن الوالي إنما تمت بيعته عن مثله؛ فالناس هم الولاة وليس الوالي. وإن استنكاف البعض من أن يولي مثله عليه هو تشخيص للشريعة وضياع لها، وتحويلها إلى مجرد رغبة في السلطة وتنافس عليها. وإن عزل الإمام مصلحة وليس مفسدة، سلام وليس فتنة، وهو أخف ضررا من إبقائه. فإذا كان تنصيب الإمام واجبا إذا ما التزم بالشرع، فإن عزله يكون أيضا واجبا إذا ما أخل به.

29

ويظل العيب في هذا التصور هو صورة الإمام القاهر المستبد العادل الذي يحقق مصالح الناس، ولكنه قاهر يخشاه الناس، مع أن البيعة لا قهر فيها، والاختيار طواعية ورضا. وقد أدت هذه الصورة إلى جعل الإمام باستمرار قاهرا للأمة، وسلطانه غير مستمد منها، يرعى مصالحهم بالقوة فيرغمهم، فتسابق الناس على الإمامة، ونشأت الانقلابات كل منها يعلن عن تحقيقه لمصالح الأمة. (2-3) وجوبها على العباد عقلا

مهما كانت هناك من حجج شرعية أو مصلحية لوجوب الإمامة، فإن الشرع والمصلحة كلاهما من مقتضيات العقل؛ فالوحي والعقل والواقع وحدة واحدة تتأصل فيها حياة الناس. يقوم الشرع على العقل والمصلحة، كما تقوم المصلحة على الشرع والعقل، ويكون العقل دعامة الشرع والمصلحة. لا يمكن إذن رفض الوجوب العقلي أو الوجوب المصلحي؛ فهو وجوب واحد مرة في الشرع، ومرة في المصلحة. والوجوب العقلي لا ينافي الوجوب الشرعي لارتكازهما معا في الوجوب المصلحي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٤٩