30
وإن كل الحجج والتحليلات التي تقدم لنفي الوجوب العقلي بالرغم من تعددها وتنوعها لا تنفي الوجوب العقلي، بل تثبته مسبقا أو تتركه جانبا؛ فاعتبار الإمام من باب التمكين، لولا الإمام لما كانت السموات والأرض، ولما صح من العبد فعل هو نقل للوجوب من العقل إلى الوجود. والعقل هو الوجود، والوجود هو العقل. يستحيل التمكين لأن المكلف قادر على التكليف دون إمام، خاصة إذا كان الصفات المطلوبة في الإمام صعبة التحقيق. واعتبار الإمام من جانب البيان وجواز خلو المكلفين منه يجعل المعرفة منقولة وليست عقلية، ولا غنى للمعرفة النقلية عن المعرفة العقلية. وإذا كان الإمام حجة لله على خلقه، ولا يخلو زمن من حجة، سواء كان نبيا أو إماما، فإن ذلك إلغاء لحجة العقول. أما اعتبار الإمام من باب اللطف، فإن العقل أيضا لطف، واللطف من الواجبات العقلية مثل المصلحة بالرغم من التقابل بين أنصار اللطف وأنصار المصلحة. اللطف هبة من أعلى، والمصلحة اقتضاء من أسفل. واللطف يحتاج إلى دليل، وهو كونه معرفا من جميع عامة المسلمين وجميع المكلفين.
31
لا يمكن رفض التأسيس العقلي للمشكلة السياسية. وإن ضرورة وجود رئيس يجمع الكلم، ويوفق بين الإرادات الفردية، ويعبر عن الإرادة الجماعية، وهي ضرورة عقلية ومصلحية في آن واحد، يعلم اضطرارا واكتسابا، بداهة واستقراء. وكيف يؤدي التأسيس العقلي للقيادة، أي تأسيسها على أسس لا عقلية؟ وإن الأدلة السمعية لتشير إلى هذه الضرورة النظرية والعملية في آن واحد؛ فالمصلحة ليست مجرد تحقيق منافع، بل هي أساس عقلي. فإذا كانت وظيفية الإمام تعيين الولاة في الأمصار وإقامة الحدود وتجهيز الجيوش، ففي ذلك صلاح العباد، والصلاح أصل عقلي كما هو وضع اجتماعي وأساس وجودي.
32
كما أن الوجوب السمعي من حيث أدلة التواتر والإجماع لا يغني عن الوجوب العقلي؛ فالاتفاق مع العقل شرط التواتر، كما أن الإجماع يقوم على رأي الجماعة واجتهاد المجتمعين، وهو ما لا يتم إلا بالعقل. وإن القول بوجوب الإمامة عقلا لا يطعن في وجوبها سمعا بالاعتماد على التواتر والإجماع، أو في وجوبها مصلحة بناء على استقراء أحوال الناس والأمم، ولكن بتضافر الحجج وتكملة بعضها بعضا.
33
ولكن لا يعني ذلك القول بمواصفات معينة للإمام مثل العصمة، أو ضرورتها التي تعادل ضرورة النبوة وتفوقها، أو إيقاف الحدود وإبطال الشريعة في حال غيابه أو عدم ظهوره تقية حتى رجوعه، أو عدم صحة الصلاة إلا بالائتمام به، أو عدم كفاية الوحي ذاته إلا به، فذاك أدخل في صفات الإمام وشروط الإمامة.
34
أما إثبات وجوب الإمامة عقلا عن طريق نقص البشر، وجواز الاختلاف في المذاهب، واحتمال خطأ الاستدلال، فذاك إثبات للعقل عن طريق الطعن فيه؛ فكمال البشر في العقل، واختلاف المذاهب إعمال للرأي، وهو من عمل العقل، وأخطأ الاستدلال نتيجة لإعمال العقل، ويمكن تصحيحها بالعقل.
35
قد تكون الحكمة في رفض وجوب الإمام عقلا هي الإبقاء على المشكلة السياسية، إما مصلحية خاصة، وبالتالي لا بد من القضاء على وجوبها العقلي والسمعي، ونكون أمام إمامة الغلبة والقهر. أما إذا كان القصد الاكتفاء بالوجوب السمعي لحين تقرر السلطة السياسية والدينية من هو الإمام، وبالتالي تتمكن وتفرض الطاعة لأولي الأمر، فإن الوجوب العقلي
36
يصبح ضروريا؛ فالعقل يدل على الوجوب، ويدل عليه مباشرة دون اللجوء إلى اللطف؛ فالوجوب من المعارف الضرورية، والإمامة جزء من المعارف، وهي واجبة على العوام، وأوجب على الخواص؛ واجبة على الجمهور، وأوجب على العلماء. فإذا أمكن تزييف وعي الجمهور، فإن وعي العلماء يند عن هذا التزييف. ولما كان العلماء ورثة الأنبياء، وكان الفقهاء قادة الأمة، فالإمامة أوجب عليهم. الإمامة فرض عين، وليست مجرد فرض كفاية. كل مسلم مسئول عنها ما دام قد بايع. الإمامة حق البيعة، والبيعة على الأمة عوامها وخواصها.