20
ولكن أليس العقل كافيا لمعرفة الدين والتمييز بين الحسن والقبيح؟ صحيح أن الإمام له وظيفة تنفيذية صرفة بتطبيق الأحكام وإقامة الحدود، ولكن الوجوب لا يأتي من شخص الإمام، بل من وظيفته. كما أن طاعة أولي الأمر غير معينة بشخص الإمام، بل بسلطة غير مشخصة هي القائمة بتطبيق الحدود وتنفيذ الأحكام، سلطة تنفيذية خالصة؛ لذلك تكون معرفة الأئمة واجبة بالضرورة، «ومن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»، ومن مات ولم يكن في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية؛ لأنه لم يعرف الله ولا الشرائع، وجهل المعارف النظرية والتوجيهات العملية. ولا يسع جهل الأئمة لأن معارفهم ضرورية، وهي أولى من المعارف النظرية التي عند غيرهم، وقد يسع جهل الأئمة ويكون الإنسان حينئذ لا مؤمنا ولا كافرا. وقد تصل معرفة الإمام إلى حد لا يلتزم بعده بشريعة، ولا تجب عليه فريضة. وكأن معرفة الأئمة كافية بذاتها وليست وسيلة لتطبيق الشرائع، كما يقول الصوفية في حب الله.
21
والحقيقة أن التطرف في إثبات ضرورة معرفة الإمام بعد إثبات وجوب الإمامة يصل إلى حد إسقاط التكاليف بعد أن كانت الإمامة وسيلة للقيام بها؛ وبالتالي يصبح من لا يعلم الإمام غير مكلف، لا تقوم عليه الحجة، ويكون معذورا ما دامت العلة قائمة، وإلا يكون مكلفا أو معاقبا. وإن عدم العلم به الآن مزيح للتكليف الآن، وطالما غابت المعرفة زيحت التكاليف إلى نهاية الزمان. وهل يجب العلم بإمام واحد أم بالأئمة كلها نظرا أم حسب حاجة المكلفين؟ وماذا عن الفترة التي لا توجد فيها إمامة أو نبوة، هل تلغى التكاليف، وقد ثبت وجود فترة بين الرسل، وهذا يوجب الانقطاع وزوال الاتصال؟ وينقلب في النهاية الهدف من الإمامة بدل أن تكون إقامة الشرائع فإنها تنتهي إلى إسقاط التكاليف. قد يرجع ذلك كله إلى ضياع المعرفة، والخلط في التكاليف، واضطراب الناس أيام الفتنة حتى لم يعد يعرف أحد من الإمام وما وظيفته. (2-2) وجوبها على العباد سمعا
إن لم تكن الإمامة واجبة على الله لأنها أمر مصلحي صرف، دفع ضرر وجلب نفع، ولأنه لا يجب على الله شيء، وهو الموجب لكل شيء، فإنها واجبة على العباد. وكأن ما لا يجب على الله يجب على العباد، وكأن الوضع الطبيعي هو التقابل بين الله والناس إلى حد التعارض والتضاد. وإذا كانت الإمامة واجبة على الله فإنها كذلك من أجل الناس رعاية لمصالحهم، فالوجوب على الله هو وجوب من أجل المصلحة.
22
وإذا كان وجوب الإمامة وجوبا سمعيا شرعيا فلأنه وجوب مصلحي، فالشرع إنما يهدف لرعاية المصلحة.
23
والوجوب السمعي إن كان مضادا للاوجوب إلا أنه لا يكون مضادا للوجوب العقلي؛ إذ يجمع بينهما الوجوب المصلحي؛ فالسمع معتمد على المصلحة، ولكن ما هي هذه المصلحة؟ هل هي إقامة الشعائر الفردية مثل الصلاة، أو الاحتفالات الاجتماعية مثل الاحتفال أيام الجمعة والأعياد أو زواج الأيامى وإقامة الحدود، أم هي وظيفة سياسية في أصلها؛ الدفاع عن الحدود، وإقامة العدل بين الناس (توزيع الفيء)، وتوجيه مظاهر النشاط الاقتصادي؟ ليست وظيفة الإمامة مجرد إقامة الحدود وإقامة الصلوات، بل إعطاء الحقوق والدفاع عن المظلومين ورد المعتدين. لا تطبق الحدود إلا إذا عاش الناس في حكم إسلامي يأخذون حقوقهم قبل أن يطالبوا بواجباتهم. فإذا ما طبق الإمام الحد، وكان قد تم تنصيبه بيعة واختيارا، فإن هذا التطبيق يجد صدى وقبولا عند الناس، وليس كإمام أتى وراثة أو انقلابا أو بناء على بيعة صورية أو انتخاب مزور. وإذا كانت حرمات المسلمين اليوم مستباحة، وحدودهم مخترقة، واستقلالهم ضائعا، وأراضيهم محتلة، فإن واجب الإمام أكثر ما يتوجه إلى سد الثغور، وتجهيز الجيوش، والوقوف أمام قطاع الطرق، والقضاء على المرابين والسماسرة وتجار السوق السوداء والمهربين، أكثر من التوجه نحو الاحتفالات والموالد وتزويج الصغار. وظيفة الإمام عملية صرفة، أي تنفيذية خالصة، وليست نظرية، أي تشريعية أو قضائية. ليست مهمة الإمام إعطاء معارف، بل تنفيذ شرائع، وتأسيس دولة، والدفاع عن الحكومة، والذب عن البيضة. فكيف بكل هذه الوظائف وتكون الإمامة فرعية لا أصلية، وليست جزءا من العقيدة مع أنها التحام العقيدة بالشريعة، والنظر بالعمل، وتحقيق وحدة الأصول بشقيه، أصول الدين وأصول الفقه؟ وإذا كانت الإمامة بمثل هذه الأهمية فمعرفة الإمام واجبة، ومن لم يعرف إمام زمانه مات يهوديا أو نصرانيا، أي بلا أمة.