تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15

والحقيقة أن حجة التاريخ والأحداث على الإمامة في عصر كانت الدماء فيه تسيل، والرقاب فيه تتطاير، ولم يعد أحد يعرف الحق من الباطل. ومع ذلك فالخلع لا يؤدي بالضرورة إلى القتل، والتحكيم مصالحة يصعب رفضها، والاستثناء لا يكون قاعدة، كما أن الحجة العملية لا تكون حجة نظرية، والواقع لا يتحول إلى فكر. وكثيرا ما خلع الحكام ووقع التحكيم وحدثت المصالحة في جو مشحون بالانفعالات والصراع على السلطة. ومع ذلك تظل حجج نفي الإمامة أصلا قويا، سواء من حيث النظر أو العمل. ولكن ما العمل؟ وما البديل؟ هل يترك الناس بلا سلطة والسلطة تنشأ طبيعيا في الجماعة؟ هل البديل هو الخروج المستمر على الإمام وتكوين جماعات رفض منعزلة على أطراف الأمة، أو تكوين جماعات سرية في المركز، لها إمام غائب يظهر في نهاية الزمان ليملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا؟ (2) الإمامة واجبة

الإمامة إذن واجبة وضرورية لتنفيذ الأحكام وإقامة الشرائع وتطبيق الحدود. فهذه لا بد لها من سلطة عامة معترف بها من الجميع. وإذا كان دفع الضرر وجلب المصالح حقا طبيعيا وأصلا عقليا، فإن الإمامة ما يندفع بها الضرر وما تجلب بها المصالح. ولكن لا يعني ذلك أن الإمام رئيس قاهر يخاف الناس بطشه ويرجون ثوابه، رئيس قاهر ضابط، بل هو واحد من الأمة بايعته على تنفيذ الشرائع والأحكام، تطيعه طالما التزم بعقده، وتخرج عليه إذا أخل بالتزامات العقد بعد أن تنصحه وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر. وإن تصور علاقة الإمام بالأمة على أساس أنها علاقة قهر وبطش، أو خوف وطمع، قد تكون قائمة على تصور آخر للعلاقة بين الله والإنسان على الأسس نفسها، قهر وبطش من طرف، وخوف وطمع من طرف آخر.

16 (2-1) هل الإمامة واجبة على الله أم على العباد؟

ولكن على من تجب الإمامة، على الله أم على العباد؟ وإذا كانت واجبة على العباد، فهل هي واجبة سمعا أم عقلا؟

17

وقد تبدأ القسمة بالوجوب السمعي أو العقلي. فإذا ثبت الوجوب العقلي تأتي القسمة الثانية إما على الله أم على العباد نظرا لإثبات الواجبات العقلية، ولكن لما ثبتت الواجبات العقلية من قبل يمكن إذن البداية بقسمة الوجوب إلى «وجوب على الله» ووجوب على العباد. قد بلغ إثبات وجوب الإمامة حد فرض وجوبها عقلا على الله؛ فالإمام هو الذي يعرف بالله، وهو الذي يدل عليه، كما يدل على معرفة سائر المطالب. وكأن العقل غير كاف في معرفة الله وإرشاد الناس إلى شئون الدنيا. كما أنها لطف في الزجر عن المقبحات العقلية، وكأن الوازع الفردي لا يكفي في ذلك. الإمامة إذن واجبة على الله لسببين؛ لنقص في العقل، ونقص في الإرادة. فالإمام معرف بالله ومرشد للشريعة، يعطي المعارف النظرية والتوجيهات العملية.

18

ويكون للإمام وظيفة ثالثة، وهي تعليم اللغات، والتفرقة بين الأغذية والسموم، وكأن الإنسان لا يستطيع أن يتكلم لغة أو أن يقتات إلا بوجود الإمام. واللغة هنا هي المعرفة، ليست بالضرورة لغة الكلام، بل قد تكون لغة الإنسان أو لغة الطير. والقوت لا يعني بالضرورة الطعام، بل يعني كل ما به قوام الحياة. الإمامة إذن ضرورية للحياة الروحية والبدنية؛ لذلك فهي واجبة على الله.

19

فإذا كانت الإمامة واجبة على الله، فإن معرفتها واجبة في الدين عقلا وشرعا، وجوب النبوة عقلا وسمعا. الإمامة والنبوة كلاهما واجبة بالعقل والسمع. تجب الإمامة عقلا نظرا لاحتياج الناس إلى إمام تجب طاعته؛ يحفظ الأحكام، وينفذ الشرائع، ويحمل الناس على مراعاة أوامر الدين واجتناب نواهيه، ويساعدهم في تبيين الحلال من الحرام. وإن احتياج الناس إلى استمرار الشرع ورعايته وبقائه قدر حاجتهم إلى بدايته وإعلانه ومعرفته، وكلاهما واجب ولطف. كما تجب الإمامة سمعا لأمر الله الناس بطاعة أولي الأمر، وهم الأئمة الهداة.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٤٧