10
والحقيقة أن تنصيب إمام لا يثير بغضا ولا كراهية ولا تسابقا على الإمامة. فإذا ما تسابق إمام عليها فإن ذلك يسقط شرط إمامته؛ لأنه لا يمكن تولية هذا الأمر من يطلبه، ولا بد فيه من بيعة الآخرين له دون أن يطلبها هو لنفسه حياء واستحياء. ومن يبغي تحمل مسئولية أمة، يعذب على كل محتاج ومظلوم؟ وإن صعوبة شروط الإمام لا تعني عدم وجوده بالفعل، بل تطبق الشروط على مستوى الممكن والواقع، وليس على مستوى المستحيل والمثال. لا توجد استحالة في اختيار الإمام نظرا لصعوبة تنفيذ الشروط؛ إذ يجتاز الأفضل فالأقل فضلا. هناك أولويات في الشروط؛ الأعلم فالأروع فالأسن، ويمكن للأعدل وللأقوى.
11
ويبدو أن هذا الموقف بحجتيه إنما هو رد فعل على تشاحن الناس على الإمامة مما أدى إلى تركها، وتضارب الأهواء والمصالح حولها؛ الأمر الذي أدى إلى تنابذها. وقد أدى ذلك إلى تصور حالة طوباوية معاكسة، حيث يعيش الناس في جو من الأمن والسلام دون مشاحنة أو تقاتل حيث لا حاجة بهم إلى إمام. وعادة ما يتم ذلك من إحدى فرق المعارضة العلنية في الخارج التي ترفض إمام العصر، زمانه ومكانه، وتعيش في الفلاة حياة طوباوية بلا إمام أو إمامة؛ فهم بهذا المعنى «خوارج» على الإمام وعلى مجتمع المدنية.
وقد يأتي إنكار وجوب الإمامة أصلا من استحالة ثبوتها، سواء عن طريق النص أو عن طريق الاختيار، وليس فقط لعدم الحاجة إليها، أو عدم الانتفاع بها، أو وقوع المضرة بسببها، أو صعوبة تحقيق شروطها. فإذا كانت تثبت بالنص فإنه لا نص على أحد، وإن ثبتت بالاختيار من المجتهدين، والاختيار إجماع لا خلاف عليه، وهو ما لا يتصوره عقل أو واقع. لا يمكن تصوره عقلا لأن الاختيار مبني على الاجتهاد، والاجتهاد على قدرات كل إنسان في إدراك الوجوه العقلية والسمعية. ولما كانت الطباع مختلفة تختلف الأحكام ضرورة. وقد كانت الخلافة أحق الأحكام بالاتفاق عليها، وأولى الأزمان هو الزمن الأول، وأولى الأشخاص بالصدق والإخلاص والصحابة، وأخصهم بالأمانة ونفي الخيانة المهاجرون والأنصار، وأقربهم إلى الرسول الشيخان، ومع ذلك وقع الخلاف. فإن لم يتصور إجماع الأمة في أهم الأمور وأولاها بالاعتبار دل ذلك على أن الإجماع لن يتحقق قط، وليس دليلا في الشرع.
12
ويمكن الرد على ذلك بأن الخلاف في الإجماع جائز، وأن ذلك لا يطعن في حجته، فلا عصمة لأحد. يجوز الخطأ فيه والرجوع عنه ، والشواهد كثيرة. وقد يكون الطعن في الإجماع سببه سياسي خالص لأن الأمة لم تجتمع على الإمام الشرعي بعد الإمام المقتول. لقد تم إدراك كثير من واجبات الشرع بالإجماع؛ فالإجماع دليل شرعي، قد يقع عن نص، وقد يقع عن اجتهاد، ويتطلب اجتماع شخصين أو ثلاثة على رأي. وقد وقع ذلك في الصدر الأول، وله قرائن تدل عليه مثل النص أو التواتر أو القرينة اللفظية أو الفعلية. وكل حد للإجماع السابق له ما يبرره، مثل غياب البعض وانشغال البعض الآخر. وقد يقع الخطأ في الإجماع عن اجتهاد ثم يعاد تصحيحه بإجماع الآخر. وفي هذه الحالة لا يكون الإجماع الأول خطأ، والثاني صحيحا، بل كلاهما صحيح طبقا لتغير الظروف والأحوال.
13
وقد يقال إن الاختيار متناقض لوجهين؛ الأول: أن صاحب الاختيار ينصب الإمام ويبايعه حتى يصير إماما، ثم تجب عليه طاعته بعد ذلك إذا بايع الناس الإمام، فكيف بالذي نصب الإمام يقوم بطاعته؟ والثاني: أنه يجوز أن يخالف أحد المجتهدين الإمام في المسائل الاجتهادية، فكيف تجوز طاعة الإمامة والخلاف بينه وبين أحد الأئمة موجود؟
14
والحقيقة أن الطاعة ليست للإمام بل للشريعة. وكما أن من نصب الإمام من حقه طاعته، فمن واجبه خلعه إذا ما تقاعس الإمام عن تنفيذ الشرع أو صالح الأعداء. إن الإمامة وظيفة وليست منصبا. الشخص غير مهم، إنما المهم هو أداء الوظيفة، والقيم عليها هو جمهور الأمة الممثلة في أئمة المجتهدين وعلمائهم وورثة الأنبياء. وأن ينصب الإمام من الناس خير من أن يطلب الإمامة لنفسه. وإن تنصيب واحد للإمامة إنما هو بداية البيعة، بعدها تتم البيعة من أهل الحل والعقد له؛ فالطاعة للناس بعد البيعة وليس لواحد بفعل التنصيب. كما أن الخلاف في المسائل الاجتهادية بين الأئمة والمجتهدين والإمام لا يمنع من الطاعة، فالأمر شورى بينهم. وإن الاتفاق على موضوع الاختلاف بالأغلبية يوجب الطاعة والنزول على رأي الجماعة. والخلاف النظري شيء، والخلاف العملي شيء آخر. الأول جائز، والثاني لا يؤثر في وحدة العمل. وإن تعدد الأطر النظرية ممكن، في حين أن وحدة العمل والممارسة ضرورية. وتظل مسئولية أخذ القرار للإمام، أي للسلطة الشرعية، وحق العلماء النصيحة والشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد قيل: إذا جار الإمام وجبت منابذته وخلعه، فإن لم ينخلع قتل طوعا، وإن حدث شك قبل التحكيم في إمامته فقد يقتل؛ وبالتالي فالإمامة في كلتا الحالتين تؤدي إلى القتل.