إن لم يكن مرتكب الكبيرة مؤمنا أو كافرا، أو مؤمنا نظرا وكافرا عملا، فإنه يكون فاسقا؛ فالإيمان لغويا لا يعني فقط التصديق، بل يضم أيضا العمل؛ فالأعمال جزء من الإيمان. والفسوق لغة يعني الخروج، وارتكاب الكبيرة خروج العمل على النظر؛ وبالتالي يكون فسوقا لا يخرج عن الإيمان ولا يدخل في الكفر، منزلة بين المنزلتين. والله سمى إيمانا ما لم يكن في اللغة إيمانا؛ وبالتالي لا يمكن استبعاد مرتكب الكبيرة عن الإيمان. ومع ذلك إذا كان اسم الإيمان يستوجب المدح والثناء، فإن مرتكب الكبيرة لا يستحقه؛ وبالتالي لا يمكن تسميته مؤمنا. أما ارتكاب الصغائر فإنه لا يخرج عن الإيمان. يتدخل إذن كم الفعل في الحكم عليه بأنه قد خرج عن النظر أم لم يخرج؛ فالأفعال كيف وكم، وتدل على بناء الشعور ودرجة تمثله للوجدان والفكر. ولا يقال عن مرتكب الكبيرة في فاسق على الإطلاق، بل فاسق في موقف معين على الخصوص في فعل معين. إن خروج العمل على النظر يضع الإنسان في عملية متصلة؛ فالخروج يعني الدخول؛ ومن ثم يتحدد الإنسان بالصيرورة لا بالوجود، وبالفعل لا بالصفة، كما هو الحال في الوحي في وصف الإيمان كفعل لا كاسم. وما دام الفاسق لا يخرج عن الإيمان فإنه لا يخرج عن الأمة، تحل مناكحته وموارثته. وارتكاب الكبيرة يستوجب التوبة؛ فإن لم يتب مرتكب الكبيرة ومات عليها فإنه يستوجب العذاب والخلود في النار؛ فصلة النظر بالعمل هي التي تحدد الوضع في المعاد.
21
إن الكفر لا يكون في العمل، بل في النظر؛ فإذا كان الكفر يعني الستر والتغطية فإنه يكون ضد كشف الحقائق النظرية ووضوحها. أما عدم تطابق العمل مع النظر فإنه فسوق، أي خروج، وأحيانا يجمع بين الاثنين، ويكون الفسوق هو الخروج عن النظر وعلى العمل على السواء؛ فالإيمان اجتناب الكبيرة فحسب، والأقوال والأفعال ليست من الإيمان، وأفعال الفعل والشرك كلاهما طاعة؛ لذلك لا يسبى العاصي لأنه يعرف الله إن كان قد جحده وعصاه. معرفة الله إذن خصلة بين الإيمان والشرك.
22
والدليل على ذلك أن الفاسق شرعا ليس مؤمنا ولا كافرا بإجماع الأمة، يقام عليه الحد ولا يقتل، ولا يحكم بردته، ويدفن في مقابر المسلمين. فسقه معلوم، ولكن إيمانه مختلف فيه، وطبقا لعلم الأصول يؤخذ المتفق عليه ويترك المختلف فيه.
23
والحقيقة أن القول بالوسطية لا يعني أي تنازل عن الفعل أو عن الإيمان؛ فمن الناحية العملية الفاسق أشر من الزنديق والمجوس، وخطره أعظم.
24
وقد يكون مرتكب الكبيرة منافقا. والفرق بين الفسوق والنفاق ليس كبيرا. الفسوق يتعلق بالفصم بين العمل والنظر، بين المعرفة والفعل، في حين أن النفاق قد يتعلق أيضا بالفصام بين القول والعمل. النفاق كفر مضمر، في حين أن الفسوق كفر علني. وقد يكون النفاق أشر من الكفر؛ لأنه إظهار المرء غير ما يبطن، في حين أن الكفر صريح. النفاق فصام بين الداخل والخارج، في حين أن الكفر اتفاق الداخل مع الخارج. يتعلق النفاق أيضا بغياب التصديق، في حين أن الفسوق يتضمن خروج الفعل فحسب، وإن بقيت المعرفة والتصديق، وإن بقي الإقرار. النفاق إذن أعم من الفسق وأخطر، والفسوق حالة منه؛ فكل فسق نفاق، وكل نفاق كفر؛ وبالتالي يكون كل فسق كفرا. الفاسق يستحق الذم واللعن، وكذلك المنافق. وإن ارتكاب الفاسق الكبيرة يثبت أن في اعتقاده ضلالة، وكذلك المنافق. وكثير من الآيات في أصل الوحي تؤيد ذلك.
25
ويشارك في ذلك فكر السلطة كنوع من الوسطية ضد فكر المعارضة الذي يحكم على مرتكب الكبيرة بالكفر.
26
ومع ذلك قد يظهر التعارض بين الفسق والنفاق؛ لأن الفسق إظهار، والنفاق كتمان. ولما كان مرتكب الكبيرة أقرب إلى العلن والإظهار فإنه لا يكون منافقا.
27
والحقيقة أن إثبات المنزلة بين المنزلتين إنما يجد مبررا له في صعوبة قبول الموقفين الأولين، وهو اعتبار مرتكب الكبيرة مؤمنا أو كافرا. ونظرا لبساطة هذا الموقف الثالث فإن أية محاولة لتنظيره تكون إضافية مجانية زائدة. وقد تكون مسألة شرعية لا مجال لتنظير العقل فيها، ومع ذلك فإنه يمكن على الأقل تعقيلها وتحديد مستوى معرفتها؛ فهي مسألة ليست مرتبطة بالثواب والعقاب والإحباط والتكفير، حتى لا تكون أدخل في أمور المعاد، وليست مسألة متعلقة بالأحكام الشرعية وحدها؛ لأنها تتعلق بأمور الدنيا وبسلوك الأفراد، كما أنها لا تتعلق بموضوع المدح والذم؛ لأن الأحكام الخلقية هو فعل إنساني، وما دام فعلا إنسانيا فإنه فعل حر يتراوح بين العظمة والإقلال، بين عظم الثواب وقليله إن كان طاعة، وعظم العقاب وقليله إن كان معصية. فالمنزلة بين المنزلتين تعبير عن حرية الفعل نظرا لوجود الفعل بين قطبين؛ الثواب والعقاب، أو الطاعة والمعصية.