14
وقد يكون الكفر كفرا بالنعم؛ أي أنه جحود عملي وليس كفرا نظريا. هو إنكار عملي، وكأن الفعل إثبات عملي لقضية نظرية. وهو كفر أقل حدة من الكفر والشرك الذي يطغى فيه العمل على النظر، فيضيع النظر بضياع العمل. وتخف حدة الوعيدية قليلا، فلا يعلم هل يعذب مرتكب الكبيرة في النار أم لا، وإن عذب فإنه يعذب في غير النار، ولا يخلد فيها ، وإن أتى الكبيرة غير مصر فإنه يكون مسلما، أما لو ارتكب الصغيرة وهو مصر فهو مشرك. وفي هذه الحالة لا يكفر المخالفون، تحل ذبائحهم ومناكحتهم وموارثتهم. مرتكب الكبيرة إذن ليس مؤمنا ولا كافرا على الإطلاق، بل في فعل معين وموقف خاص، وهو ارتكاب الكبيرة. قد يظل موحدا، ولكنه غير مؤمن. هو موحد من حيث المعرفة، ولكنه غير مؤمن من حيث السلوك.
15
النفاق إذن هو انفصال العمل عن النظر، وهو عكس التوحيد؛ أي تطابق النظر مع العمل. مرتكب الكبيرة إذن مؤمن وكافر في آن واحد، مشترك بين الإيمان والكفر، لا مؤمن على الإطلاق ولا كافر على الإطلاق.
16
وقد يتحدد الكفر شرعا فقط لأنه حكم شرعي؛ فما كان فيه من المعاصي حد فليس فاعله كافرا، بل يكون سارقا أو زانيا أو شاربا للخمر، أما ما لم يكن فيها حد فيكون صاحبها كافرا.
17
وتورد حجج نقلية عديدة لإثبات أن مرتكب الكبيرة كافر، كلها تفيد معنى واحدا، وهو أن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وأن الكافر يجزى على أعماله، وأنه يعذب يوم القيامة في النار، وأن الكفر يعود على النفس وليس على الله، وأنه روح اليأس وأفعال النفاق وترك الصلاة، وأن الله يغفر كل شيء إلا الشرك به لأنه كفر ... إلخ، والولاية والعداوة لله ضدان لا وسط بينهما، فكذلك الإيمان والكفر. وهناك حجج نقلية عقلية عديدة، منها قصة إبليس الذي كان عارفا بالله مطيعا له غير آبه بارتكاب الكبيرة، وهي امتناعه عن السجود لآدم، فاستوجب اللعن والتكفير والتخليد في النار. كما أن هناك حججا عقلية خالصة، منها أن الكافر سمي كذلك لأنه ترك الواجبات وأقدم على المقبحات، والفاسق كذلك، فيجب أن يكون كافرا.
18
فإذا كان اعتبار مرتكب الكبيرة كافرا موقف المعارضة واختيار مجتمع الاضطهاد، فإن الاختيار المضاد، وهو تبرئة مرتكب الكبيرة من الكفر، هو موقف السلطة واختيار مجتمع القهر والغلبة. ومع ذلك فرغبة في إظهار التشدد في تطبيق الدين مزايدة على إيمان العوام تكفر السلطة من يرتكب المعاصي عمدا وإصرارا ، وتطبق عليه الحد بما في ذلك حد القتل؛ درءا عن نفسها تهم انفصام العمل عن النظر. للسلطة إذن موقفان؛ الأول: متراخ بغية الدفاع عن شرعية الحاكم، حتى ولو كانت أعماله مخالفة للإيمان، وفي الوقت نفسه حصار المعارضة باعتبار أن أفعالها سياسية صرفة تدخل السياسة في الدين، ولا دين في السياسة ولا سياسة في الدين. والثاني: متشدد للظهور أمام العامة بمظهر المطبق لأحكام الشرع، والمنفذ لحدود الله في الكبائر التعبدية، مثل شرب الخمر والزنا والسرقة، وهي الحدود التي تهدف إلى الردع من أجل الحفاظ على النظام القائم.
19
وقد يكون للمعارضة أيضا موقفان؛ الأول: متشدد في مقابل السلطة وتكفير مرتكب الكبيرة؛ أي الحاكم اللاشرعي المغتصب. والثاني: لين بغية الحفاظ على وحدة الأمة.
20
والحقيقة أنه لا يوجد حكم واحد لمرتكب الكبيرة، بل تتعدد الأحكام طبقا للمواقف السياسية وللموقع في السلطة. وإن الحجج النقلية أو العقلية والحجج المضادة كلها قراءات في النص وإسقاط من الموقع عليه، سواء الموقع من السلطة أو الموقع من المعارضة. إن التكفير سلاح مزدوج بين السلطة وخصومها، لعنة قديمة ما زالت تلقى، بالإضافة إلى أنها ادعاء باطل فكريا، سلاح تستعمله السلطة ضد معارضيها، وتشهره على خصومها، خاصة إذا كانت السلطة غير شرعية، في حين أن الخلاف في الفهم والتعارض في الفكر خصب ونماء، ونتيجة لأعمال الحرية والاجتهاد، وتوفي مناخ للجدة والابتكار، وإلزام الأفراد بقضايا الجماعة ومشاكل الأمة. كما أن أحكام التكفير على مختلف درجاتها لا يمكن لأي إنسان أن يصدرها؛ لأنه يخرج بها عن نطاق حدوده كإنسان. كل الأحكام الخاصة بالكفر والإيمان والشرك والفسوق والعصيان لا يمكن لأحد أن يصدرها إذا كان الهدف منها توقيع الجزاء ثوابا أم عقابا في نهاية الزمان؛ لأن الإنسان ليس حاضرا هناك. وأي إنسان يستطيع ذلك؟ لا يمكن لإنسان إصدار حكم على آخر قائلا «هذا كافر»، «هذا فاسق»؛ لأنها أحكام تخرج عن نطاق الوضع الإنساني. (1-3) هل مرتكب الكبيرة فاسق ومنافق؟