تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

28 (2) هل الإيمان يزيد وينقض؟

لما كانت الأعمال مقترنة بالإيمان، وكان العمل لا ينفصل عن النظر، ظهر سؤال ثان عن الإيمان: هل يزيد وينقص؟ هل هو كل أم بعض؟ هل يتفاضل فيه الناس؟ فإذا كان أبعاد الشعور الأربعة، المعرفة والتصديق والإقرار والعمل، قد وضعت مسألة وحدة الشعور من حيث الكم، فإن سؤال الزيادة والنقصان في الإيمان يضع الشعور من حيث الكيف، ولو أن اللغة هي لغة الكم. وقد ركز القدماء على الشعور الكمي بأبعاده الأربعة أكثر مما ركزوا على الشعور الكيفي بأسئلته الثلاثة: هل الإيمان يزيد وينقص؛ أي هل له أجزاء، أي خصال يمكن تجزئتها، أم أن الإيمان كل واحد لا يتجزأ؟ هل الإيمان يتفاضل فيه الناس كما تتفاوت مراتبه عند الشخص الواحد؟ هل تأتي قوة الإيمان وضعفه من الإيمان أم من البواعث والغايات؟ هل هناك فروق فردية طبيعية أو مكتسبة، جبلية أم تربوية، وراء التفاوت في الإيمان والأعمال؟ وفي أي مظهر من الإيمان يقع التفاوت في المعرفة أو التصديق أو الإقرار أو العمل؟ وهل يؤدي التفاوت في المعارف إلى تفاوت في الأعمال؟ هل يؤدي التفاضل في التصديق إلى تفاضل في الأعمال؟ هل هناك تفاضل في الإقرار مثل تفاضل المعرفة والتصديق؟ وكل هذا الأسئلة التي تثار في الإيمان تثار أيضا في الكفر، وكأن المسألة ليست في الإيمان أو الكفر، بل في الشعور ذاته يوجبه الإيمان والكفر، الإيجاب والسلب.

والخلاف ليس لفظيا فقط، وإن كان يمكن ضبطه عن طريق تحليل اللغة، ولكنه ناتج عن اختيار مسبق لأحد الاحتمالات المتعلقة بأبعاد الشعور؛ فإنكار الزيادة والنقصان في الإيمان نتيجة التوحيد بين الإيمان والأعمال، في حين أن إثبات الزيادة والنقصان في الإيمان نتيجة لاعتبار الأعمال زائدة عن الإيمان ومنفصلة عنه. وإنكار التبعض في الإيمان هو أيضا نتيجة للتوحيد بين الإيمان والعمل، في حين أن إثباته يكون نتيجة للفصل بينهما. وإن جعل الإيمان هو المعرفة أو التصديق أو الإقرار ينكر الزيادة أو النقصان في الإيمان؛ لأن الأعمال ليست منه. فالمعرفة بالذهان، والتصديق بالقلب، والإقرار باللسان، مرة واحدة وإلى الأبد، لا زيادة في كل منهما ولا نقصان.

29

فالقول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص إنما يعني بالإيمان التصديق بالقلب الذي أصبح عنوانا للمعرفة والإقرار دون الأعمال؛ فالتصديق لا يقع فيه زيادة أو نقص، كما أن ليس به كل أو جميع؛ أي إنه لا يتبعض، ولا يتفاضل فيه الناس أو الملائكة؛ فإيمان الناس مثل إيمان الملائكة والمقربين والأنبياء وأهل الجنة، مساواة مطلقة بين الجميع. لا تزيد الأعمال من الإيمان ولا ينقص غيابه منه، وكأن العمل لا يقوي الإيمان، وكأن الممارسة لا تزيد من أحكام النظر. قد تتزايد الأعمال في نفسها، ولكنها لا تزيد ولا تنقص من الإيمان شيئا.

30

ولا يثبت الإيمان، ولا تتنوع خصاله، فهو خصلة واحدة أو الخصل جميعا. أما الأعمال فهي التي تتجزأ وتتبعض. وكذلك لا يتفاضل الإيمان من فرد لآخر وإن تفاضلت الأعمال.

31

والحقيقة أن هذا الموقف يقوم أساسا على إخراج العمل من الإيمان حتى يلغى التمايز في السلوك بين الأفراد؛ وبالتالي لا يختلف الحاكم عن المحكوم في الإيمان؛ فالكل مصدق وإن اختلفت الأعمال؛ وبالتالي لا مجال للمعارضة السياسية، سواء معارضة أعمال الحاكم أو تقديم أعمال المعارضة كبديل عنها. وكيف يكون الشعور درجة واحدة من الكيف، شعور أم لا شعور، إيمان أو لا إيمان، تصديق أو لا تصديق؟ ألا يختلف الشعور أيضا في الغموض والوضوح، والنوم واليقظة، والسطحية والعمق؟ وكيف يمكن تفسير اختلاف الأعمال والمعارف بين الناس؟ وكيف يتم التفاضل بينهم والأعمال إنما هي تعبير عن درجة الإيمان؟ إن جعل الإيمان هو عمل القلب هو تأسيس لعلم التوحيد على التصوف؛ مما سهل بعد ذلك التوحيد بين العلمين في العقائد المتأخرة. إن لم يكن الإيمان يزيد وينقص، يتجزأ ويتبعض، فإنه مع ذلك كيف يشتد ويضعف ككل باعث. وترتبط الشدة والضعف بدرجة الوعي النظري بالوحي، وبمقدار الالتحام بالواقع، والاستعداد الطبيعي للعمل والتضحية. الشدة والضعف يشيران إلى درجة الوعي الثوري عند الفرد. وإذا كان مضمون الإيمان هو الوحي، فلا بد أن يكون الوحي نظرا أو فكرا مرتبطا بالواقع ومصدرا له من أجل تغييره، وكأن مضمون الإيمان هو النظرة العلمية للواقع. مضمون الإيمان هو الفكر المصور للواقع، والواقع المحقق للفكر. مضمون الإيمان هو تغيير الواقع وتطويره، وتحقيق الوحي كنظام للعالم.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٣٥