6
فالعمل يرجأ على الإيمان، قد يتحقق منه وقد لا يتحقق، وكأن الإيمان موجود بذاته لا يحتاج في وجوده إلى غيره. لا يأتي الإرجاء من الرجاء لأنه لا تضر مع الإيمان معصية، ولا تنفع مع الكفر طاعة؛ لأن هذا يأس للمؤمن وللكافر معا، وإيهام للمؤمن بأنه كذلك دون عمل، وإيهام للكافر أنه كذلك حتى ولو كان له عمل. قد يعني الإرجاء تأجيل الحكم على الإنسان مؤمنا أو كافرا إلى يوم القيامة، وفي هذه الحالة يكون الإرجاء عكس الوعيدية وعلى النقيض منه، ولكنه يكون إحالة لموضوع النظر والعمل إلى موضوع المعاد؛ وبالتالي إلغاء لمشكلة الفعل؛ أي ارتباط النظر بالعمل. إن تأجيل الحكم إلى يوم القيامة يعني عدم التفتيش في ضمائر الناس، ولكن لا يعني إثبات الفصل بين النظر والعمل، بين الإيمان والأعمال. إن الإرجاء تعطيل للوعيد وخرق لقانون الاستحقاق.
7
وإن حجج الإرجاء يسهل الرد عليها بحجج مقابلة؛ فإذا كانت الصلاة خارجة عن الإيمان فإن العمل الصالح ليس كذلك، وإذا كان من يفسد صلاته لا يفسد إيمانه فإنه يلبس إيمانه بظلم، وإذا كان المؤمن اسما لله وليس فعلا فإنه اسم يكون مقياسا لسلوك الإنسان وقدوة له، وإذا كان العمل الصالح معطوفا على الإيمان فإن الإيمان بقدر ما يفيد التمايز يفيد الاقتران.
8
وإن فسق المؤمن فإنه لا يسمى فاسقا على الإطلاق كحكم عام، ولكن يطلق عليه هذا الحكم في فعل واحد خاص، ويظل الإيمان هو الحكم العام، القاعدة التي خرقها الاستثناء.
9
والعجيب هو أخذ هذا الموقف من اتجاهات مخالفة في التوحيد، سواء كان التجسيم أو التشبيه أو التنزيه؛ مما يوحي بأن اعتبار مرتكب الكبيرة مؤمنا ليس موقفا عقائديا بقدر ما هو موقف سياسي.
10
فإذا كان من السلطة عن سوء نية فإنه يهدف إلى تبرئة الحكام، وعدم الحكم على أفعالهم، وحصر المعارضة، واعتبار أفعالها شغبا سياسيا، صراعا على السلطة لا صلة لها بالإيمان؛ وإن كان من الفقهاء عن حسن نية فإنه يهدف إلى توحيد الأمة بدل الاقتتال حرصا على وحدتها؛
11
وبالتالي يصبح السؤال: هل يهدف هذا الموقف إلى تبرير أفعال الحكام، أم أنه يعبر عن الرحمة في الدنيا من أجل إنقاذ عامة الناس؟ ومع ذلك يظل الإشكال قائما: من الكافر إذن إذا لم يكن العمل جزءا من الإيمان وكان الجميع مؤمنين؟ وماذا عن صاحب العمل الصالح وليس مؤمنا، لا عارفا ولا مصدقا؟ إن الأمر أقل من العقائد، ولكنه في الوقت نفسه أكثر من اللغة، مجرد أسماء اصطلاحية، ولكنه أقرب إلى الفعل الأخلاقي بالنسبة للفرد، أو الجماعي بالنسبة للجماعة. يستعمل إما لتبرئة الحكام أو تجريح القادة، لتثبيط الجماهير أو لتعبئتها. ويحدد ذلك الموقع من السلطة، سلطة النظام القائم أو سلطة المعارضة.
12 (1-2) هل مرتكب الكبيرة كافر؟
وعلى النقيض ممن جعل مرتكب الكبيرة مؤمنا، هل يمكن أن يكون كافرا؟ فالكبيرة كفر ما دامت خروجا على النظر، وما دام العمل جزءا لا يتجزأ من الإيمان. العمل جوهر الإيمان ومنتهاه، مادته وغايته. وإن الكبيرة ليست فقط خروجا على النظر، بل قد تكون عملا معارضا له في جوهره، ليس فقط بسبب سوء الفهم أو التطبيق كما هو الحال في الصغيرة. الكبيرة هي العمل المضاد للنظر عن وعي ودراية وقصد وتعمد وسبق إصرار. ولا فرق في ذلك بين كبيرة وصغيرة، ولا فرق بين مرات عديدة ومرة واحدة، ولا فرق بين معاص كثيرة أو واحدة.
13
وقد يزيد مرتكب الكبيرة من مجرد كافر إلى مشرك، وكأنه عابد وثن! لهذا الحد بلغ تقديس العمل واعتباره جوهر الإيمان. يصل الأمر بارتكاب الكبيرة إلى أن يكون شركا، ومع ذلك السماح بالصغيرة ألا تكون كفرا. وكأن الزيادة في الكبيرة تؤدي إلى نقص في الصغيرة. والشرك مثل الكفر يوجب القتل، كل ذنب كفر، وكل كفر شرك، وكل شرك يوجب القتل! كل شرك عبادة للشيطان؛ لأن الشرك شركان؛ شرك عبادة للشيطان، وشرك عبادة للأوثان. والكفر كفران؛ كفر بالنعمة، وكفر بالربوبية. وارتكاب الكبيرة شرك لأنه عبادة للشيطان، وكفر لأنه كفر بالنعمة. ولا فرق في ذلك أيضا بين بالغ وطفل، فإذا قتل البالغ قتل الطفل معه! ولو شرب رجل من جب به قطرة خمر لكفر!