7
لذلك ليست الطاعات هي إقامة الشعائر، أي أركان الإسلام الخمس المشهورة؛ فهذه وسائل مركزة لتحقيق غايات عامة. وقد تتفاضل فيما بينها من حيث سرعة التحقيق وانتشاره؛ فالشهادة تتطلب فهما نظريا وعمقا في إيجاد الدلالة وممارسة فعلي النفي والإثبات. والصلاة تتجه نحو الجماعة في صلاة الجمعة، والزكاة تتجه نحو سيولة المال العام في المجتمع، والصوم يهدف إلى الإحساس بحاجات الآخرين، والحج مؤتمر سنوي عام للناس جميعا لدراسة أحوال الأمة. ويمكن معرفة ذلك بالعودة إلى المعاني الاشتقاقية التي هي أساس الأسماء الاصطلاحية؛ فالصلاة تعني الدعاء، أي الارتفاع والسمو والتعالي قبل العودة إلى العالم والدخول في الصراع الاجتماعي الذي تكشف عنه الزكاة والصوم، والحوار وتبادل الرأي الذي يظهر في الحج. والزكاة تعني الزيادة والسخاء؛ أي إن العطاء زيادة، والإنفاق وفرة، ضد الاكتناز والاختزان بدعوى الوفرة والتراكم؛ فلا زيادة إلا من خلال السيولة وتوظيف المال في المجتمع؛ وذلك تطهيرا للنفس، وتحريرا لها من أسر المال، واعتباره موضوعا اجتماعيا وليس استحواذا أو ملكية فردية. والصيام يعني الوقوف؛ أي التوقف والمراجعة والصمود ومراقبة النفس حتى يمكن رؤية الآخر أو المجتمع، فيظهر التفاوت في الرزق بين الفرد والجماعة؛ مما يدفع الإنسان إلى إعادة التوازن في الدخول بين الطبقات الاجتماعية المختلفة.
8
وقد يكون هذا الموضوع أدخل في علم الفروع منه في علم الأصول؛ أي في علم الفقه أكثر منه في علم الأصول، أصول الفقه أو أصول الدين. ومع ذلك يمكن تحليل العمل بالعودة إلى اللغة والمعاني الاشتقاقية من أجل معرفة ما يسمى في التربية الدينية «الحكمة من»؛ أي الهدف من الشعائر باعتبارها وسائل. فالصلاة مثلا تهدف إلى إيصال عدة مضامين للشعور من أجل الحصول على المعاني الأصلية، مثل: الاتصال الدائم بالفكر، والعيش المتصل في عالم الفكر، والتعرف على المثال قبل التوجه إلى عالم الواقع الذي تدفع إليه الشعائر الأخرى كالصوم والزكاة والحج، تفاديا لضياع الإنسان ومحوه في خضم الحياة اليومية، وإبقاء على دعوته الفكرية فيها والإحساس بالزمان، وبأن اليوم هو مجموعة من اللحظات، وبأن لكل لحظة فعلها؛ فلا يتحقق الفعل قبل لحظته فيكون استباقا، ولا بعد لحظته فيأتي بعد فوات الأوان. الإحساس بالزمان كلحظات متميزة يقوم فيها الإنسان بمراجعة النفس، وقياس المسافة بين المثال والواقع، النظافة البدنية وأثر ذلك على الفكر والحياة، الرياضة البدنية وأثر الحركات على البدن وقوامه، العمل الجماعي وما يقتضيه من تنظيم ومداولة وعمل مشترك، وحدة الجماعة بتوجيهها نحو غاية واحدة واتباعها نظاما واحدا لا ينفي التعدد والمشاركة بالرأي والحوار ... إلخ. وعلى هذا النحو تأخذ المعاني الثلاث للفظ عند الأصوليين القدماء اللغة والاصطلاح والعرف وظيفة جديدة؛ فاللغة هي المعنى الثابت، والعرف هو الحاجة المتغيرة، والاصطلاح هو الصلة بين الثابت والمتغير.
9
وإذا كانت الطاعة هي إقامة الشعائر تكون المعصية هي ارتكاب الكبائر. لا توجد كبائر نظرية، أي كفر نظري، لاختلاف الأطر النظرية وتعدد التصورات النظرية، ولكن الكبائر عملية صرفة. وإذا كانت الشعائر وسائل لتحقيق غايات، فإن المعاصي أيضا وسائل للقضاء على هذه الغايات؛ وبالتالي لا تكون سلوكا بشريا؛ فترك الصلاة رفض لأنجع الوسائل لتحقيق الغايات، وهي التي يتقبلها جمهور الأمة، والسجود للشمس أو للصنم تجسيم للمبدأ وتشبيه له، وأكل الخنزير أو شرب الخمر مفسدة للصحة والعافية ومضيعة للمال، وإظهار زي الكفرة في بلاد المسلمين دعوة إلى التقليد وقضاء على الأصالة. وقد يصل الأمر إلى حد اعتبارها كفرا عمليا في مقابل الطاعات باعتبارها إيمانا عمليا. وقد تخرج بعض الأمور عن هذا الكفر العملي؛ إما لأنها أدخل في البحث العلمي مثل جمع القرآن وتواتر الوحي، أو في المعترك السياسي مثل الخلاف بين الصحابة ونصرة هذا الفريق أو ذاك، وتمسك كل منهم بكتاب الله وسنة رسوله. إنما المعاصي ضياع الطاقات العقلية والمادية من أجل تحقيق الغايات والمقاصد؛ فالأفعال واحدة، والغايات واحدة، الطاعات تحقيقها إيجابا، والمعاصي تحقيقها سلبا.