تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10 (2) هل يسقط العمل؟

فإذا ما حدث اختلال بين أبعاد الشعور الأربعة، المعرفة والتصديق والإقرار والعمل، أو على الأقل بين النظر الجامع للمعرفة والتصديق والعمل الجامع للإقرار والفعل، يسقط العمل ويتحول إلى عمل مضاد، يتحول الإيجاب إلى سلب، وتتفرغ الطاقة ولا تتحول إلى حركة، أو تتحول إلى حركة مضادة. ويسقط العمل أو يختل بصور عدة، منها تشخيص الأحكام، وإسقاط التكاليف، وإيقاف الحدود، وتحريم الحلال، وتحليل الحرام، وتأويل العبادات والمعاملات. ويحدث ذلك كله نتيجة للكفر بكل الشرائع الموجودة الناتجة عن مجتمع الظلم الذي وضع الأوامر والنواهي لصالح السلطة القائمة. الخلل في العمل إنما ينشأ إذن عن خلل في النظر؛ أي عن اغتصاب للسلطة وهدم للشرعية. ويكون رد الفعل على ذلك تكوين مجتمع مقابل، مغلق على نفسه، حر من علاقاته، يناقض مجتمع القهر والغلبة، ويضع شرائعه ويسن قوانينه تساعده على التحرر، وعلى قهر مجتمع الغلبة، والتغلب على نظم القهر. يسقط العمل إذن بتخلخل الأسس النظرية التي يقوم عليها، أو قيام التصديق، أو نفاق وخوف وجبن؛ وبالتالي عدم تعبير الإقرار لا عن معرفة ولا عن تصديق، فيصبح العمل مجرد شعائر صورية، أوامر ونواه، للطاعة أو للزجر.

11

وليس لإسقاط العمل أي أثر خارجي من الفرق الدينية المعاصرة في الديانات السابقة، بل هو تعبير عن خلل نظري داخل المجتمع الإسلامي.

12 (2-1) تشخيص الأحكام

ويسقط العمل ويختل عندما تتشخص الأحكام، وتصبح الطاعة رجلا، والأركان الشرعية الخمسة رجالا. تتشخص الحدود والفرائض فتصبح المحرمات رجالا والفرائض رجالا، وتحول الحدود إلى علاقات إنسانية مجسمة؛ وذلك لأن المصائب تأتي من البشر، ومن اضطرابات العلاقات الاجتماعية. ويقوم هذا التشخيص على التأويل، تأويل الأحكام، الأوامر أشخاص يجب موالاتهم، والنواهي أشخاص تجب معاداتهم. الفرائض رجال تجب ولايتهم، والمحارم رجال تجب عداوتهم؛ نظرا لتحقق الفعل في مجتمع ينقسم إلى أولياء وأعداء، ويؤدي التشخيص بدوره إلى إسقاط الشرائع وإبطال الأحكام وتجسيم الشريعة كما تجسمت العقيدة من قبل. ونتيجة لتشخيص الحدود تصبح بلا موجهات، فتسقط الشرائع، وتبطل الحدود، وتحل المحرمات، وتحرم المحللات. ويتمثل إسقاط الشريعة في إباحة الحرام أكثر منه في تحريم الحلال، وتصبح أقرب إلى الإباحية أو المشاع أو الفوضوية أو الغريزية كفرا بالشرائع وبالقوانين، ورفضا للمجتمعات وللدساتير، وثورة على السلطة والحكم، ورغبة في الكفر بكل شيء، وهدم كل الكيانات التي تقوم على الظلم، وتحريرا للطبيعة المكبلة بالقيود؛ فالأوامر والنواهي إنما هي تعبير مجسم للصراع الاجتماعي بين العدل والظلم، بين الحق والباطل. وما فائدة الشرائع إن لم تتحول إلى صراع؟ وهل الغاية من القانون تقييد الحرية وتكبيل اليدين وتكميم الأفواه، أم إطلاق الحرية لليدين وللسان؟

13

وقد تدور الأحكام كلها حول شخص واحد هو شخص الإمام؛ فالانتساب إليه يرفع التكاليف؛ وبالتالي لا عذاب له ولا تثريب عليه، حتى ولو ترك الفرائض وأشرك بالله. ولا يكفر إلا إذا كفر بالإمام وبالأئمة. الدين إذن أمران؛ معرفة الإمام وأداء الأمانة، وليس منه أداء الطاعات واجتناب المعاصي. العالم شر، والدنيا حرام، ولا يتحول العالم إلى خير أو يحل شيء من الدنيا إلا بمعرفة الإمام.

14

الإمام هو الفاصل بين الحلال والحرام، وليست الشريعة التي وضعها البشر المغتصبون لحق الله، وهو الذي سيعيد الشريعة إلى نصابها. وقد يتحول الأشخاص إلى أكوان فيصبح محمد السماء، وأصحابه الأرض، والعدل والإحسان الإمام، والخبث والطاغوت أعداءه، والصلاة دعاءه، والزكاة عطاءه، والحج القصد إليه. إن البنية النفسية لمجتمع الاضطهاد تنحو بالإنسان إلى التضخيم والتصوير للصراع بين الخير والشر، والحق والباطل، والعدل والظلم. ويظهر ذلك على مستوى القانون والتشريع، وهو ما يعاني مجتمع الاضطهاد منه.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٢٢