تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3 (1) ماذا يعني العمل؟

قد يعني العمل فعل الطاعات واجتناب المعاصي؛ أي القيام بالفعل إيجابا أم سلبا. فإذا كان الإيمان إذن فعل الطاعات واجتناب المعاصي يكون الكفر فعل المعاصي واجتناب الطاعات، ولكن هل الإيمان فعل جميع الطاعات واجتناب جميع المعاصي؟ وماذا لو فعل المؤمن بعض الطاعات واجتنب بعض المعاصي أو فعل جميع المعاصي؟ وماذا يكون وضع الإيمان فيما يتعلق بالأفعال في جدل الكل والبعض؟ إذا استحال فعل كل الطاعات واجتناب كل المعاصي فلا ريب أن فعل بعض المعاصي واجتناب بعض الطاعات ممكن، ولكن ماذا تعني الطاعة وماذا تعني المعصية؟ هل الطاعة ما جاء فيها وعد، والمعصية ما جاء فيها وعيد؟ الطاعة حينئذ فعل يقوم على الترغيب، والمعصية فعل يقوم على الترهيب. وهل المعرفة في هذه الحالة فعل طاعة لما كانت أفعال الأذهان مثل أفعال القلوب أفعالا؟ وهل فعل الطاعات يكون فعلا للفرائض والنوافل أم فعلا للفرائض؟ هل هو فعل للحد الأقصى أم للحد الأدنى؟ أم يترك ذلك للقدرات الفردية وللطاقات النوعية؟ وإذا كانت المعاصي كبائر وصغائر، فهل اجتناب الكبائر يساوي اجتناب الصغائر؟ وهل يمكن الإتيان بأفعال تؤدي إلى أفعال طاعة مثل المشي إلى الصلاة في المساجد البعيدة طلبا للثواب، أو المشي إلى الحج سيرا على الأقدام، أم أن أفعال الطاعة إنما تأتي بلا مقدمات وبلا طلب زائد، فالغرض منها تزكية النفس وتقوية الوعي؟ وقد يكون كل ذلك أسماء لغوية أو أسماء شرعية؟ ولما كانت المعاني اللغوية أساس المعاني الاصطلاحية، يظل الموضوع كله في حدود اللغة والعرف.

4

فما حقيقة الطاعة والمعصية؟ تتحدد الطاعة بالمتابعة أو الموافقة؛ أي متابعة الله في أغراضه أو الاتفاق معه في إرادته. والحقيقة أن هذا التعريف صوري خالص، يرجع موضوع الفعل إلى التوحيد من جديد في قضية الصفات، صفة الإرادة . كما أنه تحديد للشيء بغيره، للفعل الإنساني بإرجاعه إلى مصدر آخر خارج عنه، وليس تحديدا للفعل في ذاته. وهل يمكن معرفة الإرادة الإلهية حتى يمكن الاتفاق معها؟ فإذا كان الأمر تعبيرا عنها، وكان الأمر وحيا مكتوبا بلغة، ظهرت مشكلة التفسير والتأويل كشرط للموافقة مع الأمر. وطالما اختلفت التفسيرات والتأويلات له طبقا للمصالح والأغراض، يستحيل إذن الاتفاق معه إلا على نحو معين؛ وبالتالي تختلف الأفعال. أما تحديد المعصية فلا يأتي إلا عن طريق القلب، أي قلب الطاعة؛ وبالتالي القياس عليها. فإذا كانت الطاعة هي الموافقة مع الإرادة تكون المعصية هي المخالفة معها. وتظل الإشكالات كما هي قائمة. وقد يكون هذا الاتفاق بين الفعل الإنساني والإرادة الإلهية أولى المقدمات لعقائد الاتحاد والحلول التي يتبناها التصوف ارتكازا على علم الأشعرية.

5

وإذا كانت المعاني اللغوية هي الأساس، فالإسلام لغة كما يعني التسليم أو الإخلاص فإنه يعني أيضا التبرؤ؛ أي التحرر من كل شيء. فالإسلام هو البراءة الأصلية، العيش على الطبيعة، حيث تكمن الحرية. الإسلام إذن هو تحرر الوجدان البشري من كل طوق وطاغوت وجبر وقهر وخوف وجبن وممالأة ومداهنة لكل قوى البشر، حتى يعود الإنسان إلى طبيعته الأولى وبراءته الأصلية. وهذا هو فعل النفي «لا إله» في الشهادتين؛ فإذا ما تحرر الوجدان البشري انتسب إلى مبدأ عام واحد شامل يقف البشر أمامه سواء، وهذا هو فعل الإيجاب «إلا الله». ويشارك الإيمان الإسلام في معنى التبرؤ والبراءة، ولكن الإيمان يضيف التصديق، أي البرهان الداخلي، على صحة مضمون الإيمان وشمول المبدأ ووقوعه؛

6

لذلك استوجبت الطاعة المعرفة كما يتطلبها التصديق. ومع ذلك يظل للفعل الخير استقلاله الذاتي عن المعارف النظرية التي يقوم عليها؛ نظرا لوجود الحسن في ذاته والقبح في ذاته كأساس نظري كاف للفعل. وفي هذه الحالة لا يكون الفعل هو إطاره النظري الذي يقوم عليه، أو الإقرار باللسان، أو فعل الفرائض أو النوافل؛ فهذه أفعال مركزة، وسيلة للفعل الخير. كما لا تكون المعصية إطارا نظريا مخالفا أو كبائر أو صغائر؛ فهذه أيضا أفعال مركزة، وسيلة لفعل السيئ؛

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٢٠