تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

ولا يوجد إذن اختيار جديد ممكن في علاقات لم تظهر بعد. ولكن الاختيار الرباعي هو الأمثل؛ لأنه هو الذي يوحد بين أبعاد الشعور الأربعة، فالإيمان هو العمل. والتركيز على العمل رد فعل على جعل الإيمان مجرد معرفة أو تصديق أو إقرار. والحقيقة أن العمل تعبير عن معرفة، كما أن المعرفة تصديق ببرهانها. وكما لا توجد معرفة دون عمل، وإلا كانت معرفة نظرية فارغة جوفاء، فكذلك لا يوجد عمل دون معرفة، وإلا كان عملا أخرق أحمق. العمل لا يقوم إلا على أساس معرفي، وإلا كان عملا آليا غريزيا عضويا صرفا تعبيرا عن مجرد نشاط العضو الحي، بل إن العمل أيضا يغذي المعرفة ويثيرها؛ فالمعرفة قد لا تحصل بالضرورة قبل العمل، بل يمكن أن تنشأ أثناء العمل ومن خلاله، وهي المعرفة التجريبية. فإذا كانت المعرفة قبل العمل عامة فرضية، فإنها تتخصص وتتحقق وتقاس في العمل طبقا لقدراته ومقدار تقبل الواقع لها. وهذا هو أساس الواقعية في التشريع كما بان في «أسباب النزول» وفي «الناسخ والمنسوخ». كما أن العمل أحد مظاهر تخارج المعرفة والتصديق مثل الإقرار؛ فإذا ثبت الإقرار ثبت العمل، فلا عمل بلا إقرار، وإلا كان عملا صامتا سريا أو علنيا بلا كلمة أو إعلان عنه، وكأن الفعل هو الكلمة. ولا إقرار بلا عمل، وإلا كانت الكلمة هي الفعل الوحيد؛ وبالتالي تصبح كلاما أجوف، وخطابة فارغة. لا يوجد إذن عمل بلا إقرار إلا العمل الصامت ، مع أن الإعلان عنه بلاغ للناس، ونوع من العمل والفاعلية من خلال الكلمة. يتحقق العمل بالقول، وليس بالعمل المباشر وحده. وقد يكون وقع كلمة حق في وجه إمام ظالم ثورة فعلية علنية، فيتحول القول إلى فعل، ولكن يظل الفعل في حاجة إلى تنظيم فعلي، وذلك لا يتأتى إلا بالعمل. والعمل تعبير عن وجدان وتحقيق للبواعث، وإلا كان عملا آليا لا يهز الوجود الإنساني ولا ينشد شعرا. العمل إذن ما هو إلا تحقق رابع بعد المعرفة والتصديق والإقرار، بل يمكن القول بأن المعارف العقلية أعمال هي أفعال الذهن، وأن أفعال القلوب أعمال هي أفعال القلب. إذن الأقوال أعمال، وهي أفعال اللسان.

ويتضح ذلك أكثر وأكثر بارتباط الإيمان بالعمل في أصل الوحي، سواء كان عملا صالحا أو عملا فاسدا. وفي هذه الحالة يكون الإيمان قد لبسه الظلم، وكأن العمل هو عدل الإيمان. ويقر العقل أن فعل الواجبات هو الدين، وأن الدين هو الإسلام، وأن الإسلام هو الإيمان؛ وبالتالي يكون فعل الواجبات هو الإيمان. كما يعني الإيمان الصلاة نظرا للتوحيد بين الإيمان والأعمال. وإن قاطع الطريق ليس بمؤمن، أي إن قطع الطريق ليس من الإيمان. كما أن الزاني لا يزني وهو مؤمن نظرا لارتباط الفعل بالإيمان. أما الاعتراض بواو العطف، وبأنه لو كان العمل جزءا من الإيمان لكان الإيمان منافيا للظلم لإخراج العمل من الإيمان، فمردود عليه بأنه لو لم يكن العمل من الإيمان لما صح إطلاق الإيمان على العمل. كما أن الإيمان في الشرع ليس التصديق فحسب، وإلا لما كان بضعا وسبعين شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.

2

ومع ذلك يظل موضوع الإيمان والعمل موضوعا دينيا سياسيا؛ فإخراج العمل عن الإيمان كلية، فلا يضر مع الإيمان معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة، هو تبرئة للحكام وتجاهل لأفعالهم، والاكتفاء بأقوالهم حتى لا تحاسبهم الأمة، في حين أن إدخال الأعمال كجزء لا يتجزأ من حقيقة الإيمان هو مراقبة على الحكام والمحكومين ومحاسبتهم على أفعالهم. أما جعل الأعمال مجرد أجزاء عرضية للإيمان لا يلزم من عدمها عدمه، أو آثارا خارجية عن الإيمان مسببة له، ويطلق عليها الإيمان مجازا، فهي محاولة لتحقيق نوع من المصالحة بين الخصوم السياسيين، وتظل أقرب إلى رأي السلطة القائمة التي تخرج العمل من الإيمان.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٩