تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

وماذا عن الفرائض إن لم تكن أعمالا تضاف إلى الإقرار؟ ألا يقوم الفقه كله على الحكم والتحكيم للأفعال وليس للأقوال؟ وكيف سيحاسب الناس يوم القيامة وعلى أي شيء إن لم تكن على الأعمال؟ وماذا سيغفر الله يوم القيامة إن لم تكن الأعمال؟ وعن ماذا تتم التوبة في الدنيا إن لم تكن على الأعمال؟ الأعمال حقيقة وليست مجازا، أعمال فعلية وليست وهمية. لا تقتصر فقط على الشعائر، بل تضم أيضا الأعمال الصالحة المقرونة دوما بالإيمان. وإذا كان أصل التوحيد يتوجه إلى الإقرار فإن أصل العدل يتوجه إلى الأفعال. إن الإرجاء لا يعني تأخير الفعل على القول، ولا العمل على الإقرار. أليست هذه هي الأخلاق اليهودية أو التطهرية التي تقوم على أن اليهود هم أبناء الله وأحباؤه ما داموا طاهرين، فلا عبرة بالأعمال؟

6

لقد ثبتت السلطة القائمة هذا الاختيار، إما عن نية أو عن سوء نية؛ فإذا كان الاختيار عن حسن نية فإن الهدف يكون هو لم الشمل، وتحقيق الوحدة الوطنية، وعدم التفتيش في ضمائر الناس لمعرفة تصديقهم بما يقرون، أو الدخول في أذهانهم لمعرفة ماذا يعرفون، أو حتى الحكم على أعمالهم؛ فقد بعث الأنبياء والرسل هداة لا قضاة، ويرجئ الحكم على أعمالهم لليوم الآخر. وقد يكون ذلك كرد فعل على تكفير الخصوم واقتتال الفرق، وقطع الرقاب طبقا للأعمال؛ وبالتالي حقنا للدماء وحفاظا على وحدة الأمة أصبح هذا الاختيار إحدى وسائل لتحقيق هذا الهدف. ولكن لما كانت السلطة القائمة هي أيضا تشهر سلاح تكفير الخصوم وتأييد السلطان، فإنها بإخراجها العمل عن الإيمان جعلت أفعال الخصوم سياسية خالصة لا شأن لها بالإيمان؛ وبالتالي تقضي على شرعية المعارضة. وفي الوقت نفسه تخرج أعمال السلطان من الأيمان حتى يظل الحكم شرعيا ما دام السلطان يقر بالشهادتين! وفي الوقت نفسه تجعل السلطة القائمة المنظومة العقائدية أساسا للتكفير مما يمكن لها من حصار المعارضة السياسية التي تتهم بالتأويل؛ وبالتالي الخروج على العقائد السنية الحرفية الشيئية التي تتفق مع أذواق العامة وتصوراتها؛ وبالتالي يمكن عزلها سياسيا في الدنيا، وعزلها دينيا في الآخرة. وذلك ليس فقط للمعارض، ولكن لقومه وشيعته وأنصاره حتى ولو غزا مع المسلمين وشارك في قضاياهم، وكأن المحك في الإيمان والكفر هو الخضوع للسلطان أو المعارضة له.

7

وقد تأخذ بعض فرق المعارضة الشعبية مثل هذا الموقف بدافع المصالحة الوطنية بين السلطة القائمة والمعارضة الجذرية.

8

فإذا ما ظهر الواقع في التجسيم فإنه يتلاشى في الإيمان، ويصبح الإيمان مجرد إقرار.

9

ومع ذلك كي تظهر السلطة القائمة في مظهر المدافع عن الدين فإنها تهاجم الإقرار باعتباره كافيا في الإيمان، وترفض إرجاء العمل على الإيمان بالنسبة للعامة حتى تظل العامة في الإيمان التقليدي ومظاهر العمل التقليدي له؛ أي في الشعائر والطقوس بعيدا عن المعارضة السياسية.

10

وتروج الأحاديث لنقد كل اختيار. ولما كانت السلطتان السياسية والدينية متعاونتين، فإنه سرعان ما تروح أحاديث لتأييد السلطة وتفنيد المعارضة.

11 (2-2) الإيمان إقرار ومعرفة وتصديق وعمل

العلاقة الرباعية باستمرار واحدة، سواء أكانت البداية بالمعرفة أو بالتصديق أو بالإقرار؛ فالإيمان إقرار ومعرفة وتصديق وعمل؛ فلا يوجد إقرار باللسان إلا بعد التصديق بالقلب، ولا يوجد تصديق بالقلب إلا بعد المعرفة. وإذا كان الإقرار عملا بالقلب فإنه يكون أيضا عملا بالجوارح، فلا قول بلا تصديق، ولا تصديق بلا معرفة، ولا نظر بلا عمل. إن القول دون المعرفة يكون مجرد ألفاظ لا تدل على شيء، ولا يؤدي إلى تصديق؛ لأنه لا يوجد موضوع للتصديق. وبطبيعة الحال لا ينتج عنه عمل. القول دون تصديق يكون بالضرورة دون معرفة أو فعل. تغيب الخصوصية في الزمان والمكان، ويصبح الإيمان مجرد لغو. ليس الإيمان قولا فحسب؛ فالقول أحد مظاهر الإيمان. القول صياغة للنظر، وتعبير عن الرأي. اللفظ مجرد صورة للفكر وأداة له؛ لذلك يستحيل إقامة سلوك الناس على أساس من القول؛ لأن القول وحده لا يكون أساسا للسلوك. القول تعبير عن فكر، وكشف لموقف شعوري. القول بمفرده مجرد ألفاظ لا تدل على شيء. ولما كان العمل واعيا استحال تحقيقه على أساس من القول، وإلا تحول الإنسان الحي إلى إنسان آلي يعطى القرار فيتحول تلقائيا إلى عمل. والشهادة ليست قولا، بل هي قول وفكر ووجدان وعمل؛ فالشاهد على العصر هو الشهيد، والشهيد هو الذي يشهد بقوله وفكره ووجدانه وعمله. وكل ذلك ممثل في حياته وأبعاد لشعوره.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٧