تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

والحقيقة أن جعل الإيمان مجرد إقرار دون تصديق أو معرفة أو عمل هو ابتسار له، وجعله مجرد قول أو نطق أو إعلان. وهل يمكن الإقرار بكل ما يجيء به الرسول دون تصديق به والتحقق من صحته؟ أليس الإقرار إقرارا بشيء وتصديقا بشيء وإعلانا عن شيء، يدركه المؤمن ويصدق به ويعمل على تحقيقه؟ يظهر الإيمان في أبعاد الشعور كلها، في المعرفة والتصديق والعمل، ظهوره في الإقرار. إن جعل الإيمان هو الإقرار وحده لهو تخل عن الإيمان كتجربة شعورية، نظرية ووجدانية، كمعرفة وتصديق، كما أنه تخل عن الإيمان كتجربة عملية فعلية، والاكتفاء بالإعلان.

2

وهل يمكن الإقرار بكل ما يجيء به الرسول دون التصديق به والتحقق من صدقه؟ إن الإقرار شرط كمال وليس شرط صحة. هو إعلان عن التصديق وليس تحقيقا له. وقد يتم تحقيقه بالفعل حتما دون إعلان؛ وبالتالي يكون الفعل هو العلامة الظاهرة. الإقرار إعلان دون عمل، تحقيق كمال بلا مضمون، وتحقيق فارغ. إن أقصى ما يستطيع الإقرار هو أن يكون أولى البدايات في ظروف صعبة كبداية لعملية التعلم من الإقرار إلى العمل، ثم إلى التصديق، وأخيرا إلى المعرفة؛ فالإقرار هو الإعلان عن النية ثم تتحقق في أعمال، حتى ولو كانت هي الشعائر والطقوس مشفوعة بالأعمال الصالحة. وربما لا يأتي التصديق إلا بالبرهان ، ولا تأتي المعرفة إلا في النهاية؛ فإذا ما ثبت الإيمان بدأت المعرفة ثم التصديق ثم الإقرار ثم العمل. قد يخالف الإقرار التصديق في حالة القهر والاضطهاد، فيضطر المؤمن أن يقول شيئا لا يصدق به ويجحده تخفيفا لآلام العذاب، ولكن الأفعال هي الأفعال الحرة وليست أفعال الإكراه. وحين يصعب العمل المباشر قد يتحقق الإيمان بالقول حتى يأتي العمل في ظرف أكثر ملاءمة، ويكون أقرب إلى النجاح. وطالما كان الإقرار هو أساس الأحكام الشرعية، فعليه يكون الحكم بالإيمان والكفر والفسق والعصيان والارتداد وسائر الأحكام؛

3

لذلك قد يكون لهذا الاختيار، الإيمان إقرار، مغزى سياسي من أجل عدم تكفير الحكام وقبول الأمة لهم ما داموا يشهدون ويقرون بكلمتي الشهادة، في مقابل اختيار آخر تجعل الأعمال مع الإقرار، وتضع التصديق أساسا للإقرار، وهو اختيار المعارضة. وقد يكون في حالة أخرى رد فعل على تكفير الناس والخصومات المتبادلة من أجل لم الشمل وإرساء قواعد الوحدة الوطنية على الحد الأدنى من الاتفاق، وهو القول، وإن صعب التفسير والتصديق.

وقد تكون هناك صلة بين التجسيم كأحد اختيارات التوحيد، والإقرار كأحد اختيارات الإيمان؛ وبالتالي تكون هناك صلة مقابلة بين التنزيه في التوحيد، والعمل في الإيمان. فالتجسيم يجعل الواقع في جسم الله؛ وبالتالي لا يحتاج إلى الدخول فيه بالفعل. (2) هل الإيمان إقرار دون معرفة وتصديق وعمل؟

طبقا لنسق العلاقات بين الإقرار كبعد ثالث للشعور والأبعاد الثلاثة الأخرى، المعرفة والتصديق والعمل، فإن كل العلاقات الثنائية والثلاثية وجدت من قبل في علاقات المعرفة والتصديق؛ فالإقرار دون معرفة هو نفسه المعرفة بلا إقرار، والإقرار دون تصديق هو نفسه التصديق دون إقرار؛ وبالتالي لا تبقى إلا علاقة واحدة، وهي الإقرار دون عمل. وفي العلاقات الثنائية، الإقرار والمعرفة دون التصديق والعمل، هي نفسها التصديق والعمل دون الإقرار والمعرفة، كما أن الإقرار والتصديق دون معرفة وعمل هو نفسه المعرفة والعمل دون الإقرار والتصديق. وفي العلاقات الثلاثية للإقرار في احتمالاتها الثلاثة توجد هي نفسها في العلاقات الثلاثية للمعرفة والتصديق. والعلاقة الرباعية الوحيدة توجد متكررة، سواء كانت البداية المعرفة أو التصديق أو الإقرار.

4 (2-1) هل الإيمان إقرار دون عمل؟

في العلاقات الثنائية هذا هو الاحتمال الوحيد الذي لم يعرض بعد: هل هناك إقرار دون عمل؟ الحقيقة أن القول أحد مظاهر السلوك مثل العمل؛ فالقول سلوك لغوي، والعمل سلوك اجتماعي. ولا يمكن أخذ أحد مظاهر السلوك دون الآخر، كما أن الإقرار ليس له صيغة معينة، بل هو صياغة تدل على مضمون. ليس الإقرار إذن مجرد كلمة، بل هو فعل شعور يتطلب سلوكا هو الإقرار. ولما كانت شرائط الإيمان وأوصافه داخلة في الإقرار، فإن الإيمان لا يكون إقرارا فحسب، بل هو الإقرار بالإضافة إلى شرائط الإيمان وأوصافه. والعمل يأتي في المقدمة، حق الإيمان. ويتضح ذلك في النطق بالشهادتين؛ إذ لا تعني الشهادة مجرد إقرار بالقول، مجرد التلفظ بعبارة، والنطق بقضية، بل تعني فعل «أشهد»، وهو فعل شخصي في ضمير المتكلم المفرد. والشهادة رؤية ووعي وواقع وإعلان. الشهادة تحقق من أمر واقع. الشاهد حامل الحق، ورائي الواقع الذي يؤخذ برأيه في القضاء حين الفصل في الخصومات. الشاهد هو الشاهد على عصره، هو الذي يرى عصره رؤية حق، ويأخذ قضاء العصر بشهادته. وقد تكرر فعل «أشهد» مرتين؛ الأولى في التوحيد، والثانية في الوحي؛ مما يدل على أن أصل التوحيد لا ينفصل عن الكلام؛ أي الفكر المصدق والمحول إلى الفعل. وقد تصل الشهادة القولية إلى حد الشهادة الفعلية عندما يتحول الشاهد إلى شهيد بفعل الشهادة. ولما كان النطق بالشهادتين للقادر المتمكن، فهو فعل يحتاج إلى قدرة، وليس مجرد قول بلا ثمن. وليست القدرة عضوية خالصة، القدرة على تحريك اللسان والشفتين وإخراج هواء الحنجرة من خلال الحبال الصوتية، فهذه قدرة لا يتملكها الأخرس وحده، بل هي قوة معنوية تكشف عن القدرة على الرفض، رفض آلهة العصر وتأليه الطاغوت حتى يتحرر الوجدان البشري، ويكون قادرا بعد ذل على الانتساب إلى مبدأ واحد، عام شامل، يتساوى أمامه البشر جميعا؛ لذلك ضم فعل الإقرار فعلين؛ الأول فعل النفي «لا إله»، والثاني فعل الإثبات «إلا الله»؛ من أجل تحرير الوجدان البشري من الطاغوت، والتعبير عن الهوية المطلقة؛ إذ إن العبارة إذا ما حذفنا النفي والاستثناء كانت «إله الله»؛ أي تعريف الشيء بنفسه، وهوية الذات مع الموضوع، وتطابق المبتدأ مع الخبر؛ لذلك لا يجوز نطق الأطفال والصبية والمجانين بها؛ لأن الإقرار له ثمن، وله حق من العقل والقلب والفعل، في المعرفة والتصديق والعمل. وإذا كانت الشهادة تتطلب الإذعان فإنها تتطلب الفعل؛ فليس الإذعان مجرد خضوع واستسلام، فعل سلبي، بل هو قبول عن رضا، أي فعل إيجابي. وقد يظهر هذا القبول في صورة غضب وتمرد وثورة على الواقع الذي تدحضه الشهادة وينفيه الإقرار. وإذا كانت الشهادة تتطلب الانقياد والامتثال بدليل حروب الردة، فإن ذلك يعني أن للشهادة حقا، حتى في المال مثل حق الزكاة؛ فالشهادة إذن فعل، والإقرار سلوك. وليس أدل على ذلك أيضا من أن الأحكام الشرعية لا تجوز إلا بعد القول، وأن الفرائض لا تتحقق إلا بعد الشهادة؛ فالإقرار التزام بفعل، وليس مجرد قول فارغ لا مضمون له ولا حق فيه. وإذا لم يكن للشهادة صياغة محددة، بل تصح لها أية صياغة، فإن ذلك يدل على أنها مضمون وليست صورة. وإن الإقرار ليس مجرد كلمة، بل هو فعل للشعور، وأنه معنى وتوجه يتطلب سلوكا هو حق الإقرار.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٦