تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

132

لا تمثل الفرقة إذن اتجاها فكريا فحسب، بل تمثل قوة اجتماعية تعبر عن وضع اجتماعي. وقد تتحالف مع السلطة القائمة، وقد تتعارض معها.

133

وقد نشأت الخوارج من سلوك عملي أثناء التحكيم،

134

واستمروا في المعارضة والرفض للحكم الأموي كما استمر الشيعة وآل البيت، كل لحسابه. وهكذا تشتتت المعارضة إلى فريقين متنازعين، وبقي الخصم قويا.

135

وقد شارك المعتزلة في ثورات بعض آل البيت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

136

والمعتزلة هم أول من ردوا البدع قبل الأشاعرة، فكانوا هم أهل السنة والجماعة قبل أن يظهر الاسم ويتبلور؛ فهم الذين ردوا على القدرية مع أنهما فيما بعد أصبحوا قدريين؛

137

لذلك ظهر المعتزلة مبكرين للغاية، وانتهوا أيضا مبكرين، على حين ظهر الأشاعرة متأخرين، وانتهوا متأخرين. وقد بلغ المد الاعتزالي أوجه في القرن الثالث، في حين لم يخل قرن واحد من ممثل للأشاعرة. وإذا ظهر الأشاعرة مبكرين فإنما يرجع ذلك إلى أنهم قد نسبوا أنفسهم إلى الفقهاء والمحدثين الذين كانوا يشتغلون بمسائل عملية خالصة لا بمسائل نظرية، فضمهم الأشاعرة إليهم وكأنهم يكملون لهم الجانب النظري فيما يتعلق بالعقائد. وكان المعتزلة الأوائل من الدرجة الأولى في العلم والبيان، كانوا هم حملة العلم الأوائل، وهم الذين أعملوا العقل في النظر والاستدلال. نشأت الحضارة على أيديهم أولا. كما استطاع المعتزلة أن يقوموا بعمل جماعي بعد تعرفهم على بعضهم البعض، فما دام العقل هو الحكم فهناك موضوعات وحقائق مستقلة يمكن للجميع الوصول إليها، ولا مكان للعبقرية الفردية التي قد تعبر عن هوى أو ادعاء. ولا يوجد الاتجاه الاعتزالي باعتباره اتجاها عقليا عند المعتزلة فقط، بل يوجد أيضا ممثلا لدى كل فرقة، وكأن التنزيه والعقل والحرية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبادئ عامة تتعدى حدود الفرق، وأصبحت قاسما مشتركا بينهم. ففريق من الشيعة مثلا يقول بالإمامة والاعتزال (الزيدية)، وفريق من الخوارج يقولون بالقدر ويثبتون الاستطاعة للإنسان (الميمونية). وكان الاعتزال ثورة على التقليد والتعصب واللجاج، ويعتز بالعقل والبرهان ضد التقليد والهوى والمحاجة. وكان المعتزلة أول من استعان بثقافة الغير، الفلسفة اليونانية. لم يكن ذلك رغبة منهم في تبعيتها، بل لأنها راجت في البيئة الثقافية بعد عصر الترجمة، وأصبحت جزءا من الثقافة المعاصرة آنذاك. فاستعملتها المعتزلة كعلوم للوسائل لا كعلوم للغايات، خاصة من متأخريهم في القرن الثالث.

138

وكان معظم الفلاسفة معتزلة نظرا لاعتماد كلا الفريقين على العقل.

139

وقد خرجت الأشاعرة من جب المعتزلة وكرد فعل عليها،

140

واستعملوا المنهج نفسه الذي استعمله المعتزلة، وهو العقل والثقافة العقلية المعاصرة (اليونانية)، ولكنهم خلطوا بين العقل والنقل، فلا هم انتهوا إلى شيء معقول في النقل أو في العقل. فهم في الوقت نفسه يرجعون إلى أهل السلف، ويلتزمون بخط الفقهاء وأهل السنة والحديث، ويحاولون إعطاء الأساس النظري للاتجاه الفقهي. وظلت هذه المحاولة مشبوهة عند الفقهاء، المحاولة التي تريد الجمع بين أهل السنة والعقل. وظل الأشعري مشبوها بشبهة الاعتزال؛ إما لأنه ظل متأثرا بطريق الاعتزال، أو لأنهم كانوا يرفضون أي عمل عقلي في النص. وظل الحنابلة يرفضون الأشاعرة وقتا طويلا لا يقبلون محاولاتهم العقلية في النصوص.

141

ويظهر الأشاعرة كحل وسط بين الاتجاهات المتعارضة بكل ما في هذا الموقف المتوسط من مميزات وعيوب.

142

فإذا كان المعتزلة قد روجوا الفلسفة في أول الأمر طلبا للدليل العقلي والبرهان النظري، فقد فرضت الفلسفة نفسها في النهاية على الأشاعرة في القرون المتأخرة بعد أن خمد العقل وركد العلم. فسادت المباحث الفلسفية المباحث الكلامية، واعتمد الأشاعرة كلية على تحليلات الفلاسفة يجدون فيها الأساس العقلي الضائع منهم. فما يتهم به الأشاعرة المعتزلة وقعوا هم أنفسهم فيه، وشتان ما بين الموقعين؛ أخذ المعتزلة الفلسفة كوسيلة، وظلت الغاية هي التوحيد، في حين أن الأشاعرة أخذوا الفلسفة كغاية، وتوارى التوحيد.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٦٤