تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

125

فإذا كانت الإمامة هي أولى المشاكل التي أثارها المسلمون، فإن ذلك يدل على أن علم الكلام نشأ نشأة سياسية. وإذا ما تمت إعادة بناء العلم من جديد على أنه علم إنساني، فإن هذه المحاولة تقوم أيضا على واقع سياسي خالص، تحرير الأرض، والقضاء على التخلف، وإعادة بناء المجتمع، وإرساء قواعد الديمقراطية، وتأسيس المجتمع اللاطبقي.

126

وقد ظهرت الإمامة كمشكلة عملية لا كمشكلة نظرية، ولم تنشأ منها فرقة؛ فقد كان يكفي إلقاء الفكرة الموجهة حتى تحل المشكلة، ويطيع الناس، وتتوحد الجماعة. وقد تساءل الناس: هل الخلاف السياسي من الفروع أم من الأصول؟ هل هو من المسائل الاجتهادية أم من المسائل النصية؟ هل هو من المسائل الفقهية أم من المسائل العقائدية؟

127

والقول بإمامة المفضول مع وجود الأفضل إثبات للأمر الواقع، وبيعة فكرية للحكم الأموي، وتخل عن صاحب الحق الشرعي، وقبول للمساومة، والرضا برغد العيش. والقول بأن الإمامة تكون من خارج قريش رفض للحكم الأموي الذي يعتمد على النسب لقريش، ورفض للحكم القومي الذي يجعل من الحاكم عربيا بالضرورة، وإعطاء الحق لكل الرعايا عربا كانوا أم موالي في أن يصبحوا أئمة للأمة وحكاما لها.

128

والقول بأن الإمامة لا تكون إلا بالإجماع رفض لأي حكم لم تجمع عليه الأمة كالحكم الأموي مثلا. وبالرغم مما قد يوحي به التشيع بأنه أقل معارضة من حيث إن الإمام بالتعيين وليس بالاختيار، وإنه مصدر الحق والتشريع حتى يرجع ويأخذ بنواصيهم بدل الثورة الفعلية في الحاضر، وأن في خلوده قد يجد أنصاره عزاء ونصرا نفسيا واطمئنانا إلى الحق الضائع دون أن يأخذوه بالفعل، بالرغم من كل ذلك إلا أنه أيضا قاوم الحكم القائم بالقوة نفسها التي قاوم بها بعض علماء الكلام السنيين. ولم تخل سنة من خروج إمام على الحكم الأموي. فمن الناحية النظرية القول بخلود الإمام والقول بالرجعة يعبر عن الأمل في الانتصار، ويثبت ضرورة انتصار الحق على الظلم مهما طال انتظار المظلومين والمضطهدين.

ولم يكن التوحيد أول المسائل الخلافية، بل نشأ نتيجة إعمال العقل في النصوص. أما المشكلة السياسية فقد كانت تابعة للمسائل العقائدية حتى تحولت هي نفسها إلى مسألة اعتقادية.

129

وكانت للنظريات والآراء مدلولات سياسية؛ فإنكار القدر وإثبات الإنسان حرا مختارا في أفعاله، مسئولا عن الخير والشر، يجعل حكم الولاة أصحاب السلطة مسئولين عن أفعالهم ولا يمثلون قدر الله، كما يجعل كل المواطنين مسئولين عن أعمالهم، ويبعثهم على الثورة ضد السلطة المغتصبة الخارجة على إرادة الجماعة.

130

وكل موضوعات علم الكلام ونظرياته لها مدلولات سياسية خالصة؛ ففي التوحيد مثلا تهدف فكرة الله المخلص أو الإمام المؤله إلى تحريك الجماهير، وإعطائها أملا بالنجاة والخلاص من الظلم، وانتصار الحق ضرورة في النهاية، بينما تهدف فكرة الله القوة إلى تثبيت الوضع القائم، وإلى الطاعة للسلطة القائمة الممثلة لله القوة. وإعطاء الأولوية للنقل على العقل يثبت الوضع القائم، ويجعل الأمر موكولا للتفسير، والتفسير تقوم به السلطة الدينية التي تعتمد عليها السلطة السياسية. وإعطاء الأولوية للعقل على النقل رفض للوضع القائم ولتعاون السلطتين الدينية والسياسية، ووضع مقياس عام للناس جميعا حاكمين محكومين، وهو مقياس العقل وطريق البرهان. وإخراج العمل عن الإيمان أو إرجاؤه إثبات للوضع القائم، وجعل الإيمان خاويا لا يتطلب حركة وفعلا، ولا يتحول إلى رفض أو ثورة. وجعل العمل جزءا من الإيمان وتعبيرا عنه رفض للوضع القائم، وجعل الإيمان أساس حركة وفعل وتغيير وثورة. أما مسألة خلق القرآن فقد ظهرت متأخرة للغاية.

131

وكان لعلماء الكلام الأوائل أثر بعيد في توجيه مجرى الحوادث؛ فقد كانوا من أوائل المعارضين للحكم الأموي. وكثيرا ما استعملت السلطة الآراء الدينية كحجج للقضاء على قوى المعارضة التي قامت أساسا تطبيقا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٦٣