تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

143

وبالرغم من أن الأشاعرة متأخرة في الظهور إلا أن شيخها لا يعتبر واضع أصول العلم؛ فعلم الكلام ظاهرة حضارية أكثر منها اكتسابا عبقريا، على عكس علم أصول الفقه الذي وضع قواعده الشافعي. ولما كان الأشاعرة هم أصحاب التأليف، فقد اعتبروا واضعي علم أصول الدين دون غيرهم.

144

ثم جمد المذهب الأشعري، ولم يعد الدليل هو الوسيلة الوحيدة إلى اليقين.

145

وبعد جمود الفكر واتباع التقليد، ظهرت الشروح والملخصات تعبر عن الفكر الشارح أكثر مما تعبر عن الفكر المشروح،

146

ثم خمد الشرح وساد الجهل على العلم لدرجة أن منع بعض المصلحين شرح مؤلفاته.

147

فإذا كان علم الكلام كغيره من العلوم الإسلامية، بل وكالحضارة ذاتها، فقد نشأ من النص ثم عمل العقل فيه، فإنه يعود إلى النص من جديد بعد أن تجمد العقل، وساد التقليد، وحل الجهل محل العلم.

148

وفي العقائد المتأخرة اختلط التوحيد بالتصوف خاصة في الشروح، ولم توجد مادة يشرح بها

149

إلا من التصوف، وأحيانا من الفقه والأصول، وابتعد عن الفلسفة لأنها لم تعد خطرا على التوحيد. ومعظم الصوفية أشاعرة؛ لأن التصوف موقف أشعري قلبي، والأشاعرة موقف صوفي عقلي، ومن السهل تحويل التوحيد كما يتصوره الأشاعرة إلى توحيد كما يعبر عنه الصوفية بمجرد تغيير المنهج من العقل إلى القلب.

150

وفي المؤلفات المتأخرة يسود التصوف، ويقتبس من أقواله ومن أشعار الصوفية وأناشيدهم.

151

كما يظهر في المؤلفات المتأخرة الفقه والأصول، وتسود المادة الكلامية، وكأن اللجوء إلى الفقه والتشريع فيه اليقين.

152

والفقهاء غالبا أشاعرة بلا استثناء؛ لأن الفقهاء هم المدافعون عن أهل السلف، وهم الممثلون لأهل السنة والجماعة، والأشاعرة يعتبرون أنفسهم أهل السنة والجماعة.

153

ثم جاء الإصلاح الديني محييا مذهب الأشاعرة.

154

ولكن غزو الثقافات الأجنبية الوافدة ما زال يدعو إلى إعادة بناء علم أصول الدين من جديد.

155 (3-4) خاتمة الخاتمة

وكما تبدأ المصنفات القديمة بمقدمات إيمانية تنتهي أيضا بنهايات إيمانية، وليس بالضرورة بتذييل في الفرق. تعترف بالجهل التام، وكأن تأسيس العلم لم يؤد إلى أي علم. تصف الله بأوصاف أزلية، وفي الوقت نفسه يعلن عن حيرة العقل، وكأن أداة العلم لم تؤد إلى أي علم. ويختفي العلم، وتبدأ مناجاة صوفية؛ مما يدل على سيادة علوم التصوف على باقي العلوم. وينقلب التصوف ضد عقائد الفرقة الناجية، فلا يمكن وصف الله أو رؤيته. وكلما ازدادت المناجاة تعظيما لله زاد الإنسان تحقيرا لنفسه. وكيف يعاد بناء علم أصول الدين دون اكتشاف للذاتية؟

156

وقد تكشف خواتيم أخرى عن أن هدف العلم هو تبرير الدين والدفاع عنه وتثبيته، مع دعوات للحفظ ضد الغواية، وطلب للمغفرة والعفو، وكأن العلم غواية تؤدي إلى الخطأ بالضرورة وتجب التوبة منه. ويبرز منهج الاقتداء بسنة الرسول وتقليد صحابته والتابعين، مع أن التقليد ليس مصدرا للعلم. وقد تحتوي الخواتيم على اعتذار عن التطويل والحشو، أو ما يقع فيه المصنف من أخطاء، يرجو عملا صالحا يوضع في حسابه يوم القيامة، مع ذكر الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

157

وقد تكون الخواتيم آيات قرآنية صرفة توحي بقوة العقيدة والاستخلاف في الأرض، وكأننا هنا بصدد فعل وعمل لا قول ونظر، مع التمسك بطريقة السلف والإصرار عليها بعيدا عن الخلف.

158

ونحن إنما نقدم «من العقيدة إلى الثورة» اجتهادا منا، واستئنافا لعلم أصول الدين بعد أن توقف منذ سبعة قرون، وتطويرا له بعد «المواقف» و«رسالة التوحيد» في عصر التحرر من الاستعمار في الخارج والقهر في الداخل، وفي فترة الردة من قلب مصر المحمية.

159

| المصادر والمراجع

بعد استبعاد الدراسات الثانوية في علم أصول الدين نظرا لأنها في حاجة إلى مراجعة، فهي موضوعات دراسة وليست دراسة موضوعات، اقتصرنا على المصادر والمراجع الأصلية التي تحتوي على نصوص العلم؛ نظرا لأننا نؤسس نصا جديدا. ونقسمها في مجموعات أربع؛ مصنفات العقائد الأشعرية، مصنفات العقائد الاعتزالية، كتب الفرق الأشعرية، وأخيرا المصادر المطبوعة والمخطوطة التي لم نرجع إليها إلا لماما. وقد رتبناها ترتيبا زمانيا وليس أبجديا لمعرفة تطور العلم، وبدأنا باسم المصنف وتاريخ وفاته بين قوسين ثم باسم مؤلفه، ولم نعتمد على عقائد الشيعة ونصوصها لأنها لا توجد في وعينا القومي كجزء من التراث الحي، ولغلبة الاتجاهات الصوفية والفلسفية عليها.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٦٥