تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

114

وهنا تبرز أسئلة ثلاثة؛ الأول: إذا كانت الفرق الكلامية اتجاهات فكرية، وكانت الاتجاهات الفكرية أنماطا مثالية للفكر البشري، وكانت هذه الأنماط تكون جوانب مختلفة للموضوع، فالسؤال هو: هل أعطى التاريخ كل هذه الأنماط؟ هل كشفت الحضارة جوانب الموضوع؟ هل باستطاعة الباحث اكتشاف أنماط جديدة وكشف جوانب أخرى للموضوع؟ فمثلا في التوحيد ظهر التأليه والتجسيم والتشبيه كفرق واتجاهات وأنماط وجوانب للموضوع، ولم يظهر بعد التوحيد كوظيفة. وفي خلق الأفعال ظهر الجبر والكسب وحرية الاختيار، ولكن لم يظهر بعد التحرر. وفي العقل والنقل ظهرت أولوية العقل كما ظهرت أولوية النقل، ولكن لم تظهر بعد أولوية الواقع ... إلخ. والسؤال الثاني: إذا كانت الاتجاهات الفكرية أنماطا مثالية للفكر البشري، فهل هذه الأنماط حلول متزامنة أو متتالية في الزمان، أم أنها جوانب مختلفة لموضوع واحد؟ فالتوحيد كموضوع تأليه في أحد جوانبه، وتجسيم أو تشبيه من جانب آخر، وتنزيه من جانب ثالث. وخلق الأفعال هو جبر من جانب، وكسب من جانب، وحرية اختيار من جانب ثالث. مهمة الباحث الآن عرض الاتجاهات الفكرية التي تمثلها الفرق كجوانب مختلفة لموضوع واحد. وكأن الباحث ينظر إلى الموضوع من عل كمشاهد محايد. والسؤال الثالث: إذا كانت الفرق الكلامية تمثل اتجاهات فكرية، فالسؤال هو: هل هذه الاتجاهات الفكرية أنماط دائمة للفكر الديني تتكرر في كل زمان ومكان؟ ففي التوحيد مثلا لا تمثل الشيعة التأليه والتجسيم فقط، ولا تمثل السنة التشبيه فقط، ولا تمثل المعتزلة التنزيه فقط، بل إن التأليه والتجسيم والتشبيه والتنزيه أنماط مثالية للفكر الديني أو الفكر البشري العام فيما يتعلق بالألوهية. وكذلك الأمر في خلق الأفعال؛ فلا تمثل الجبرية الجبر، ولا تمثل الأشعرية الكسب، ولا تمثل المعتزلة حرية الاختيار؛ بل إن هذه الحلول الثلاثة، الجبر والكسب والاختيار، تمثل أنماطا مثالية لمشكلة الحرية تتعدى حدود الزمان والمكان. ويمكن أن يقال الشيء نفسه في العقل والنقل، وفي التعيين والبيعة، والكمون والخلق، والإيمان والعمل، فيصبح علم أصول الدين علما بنيويا لكل حضارة وللفكر البشري العام.

والتعدد في جوانب الموضوع وتطوره إنما هو مقدمة للاختيار البشري طبقا لظرف كل عصر. وقد لا يكون اختيار العصور الماضية هو اختيار كل عصر؛ فما يكون فعلا عند القدماء قد يكون رد فعل عند المعاصرين، وما قد يكون وسطا عند القدماء قد يكون فعلا أو رد فعل عند المعاصرين، وما قد يكون فعلا أو رد فعل عند القدماء، فلا يكون وسطا عند المعاصرين. فالمعاصرون جيل الفعل ورد الفعل إيقافا للانهيار وبعثا للنهضة. قد تحتم الظروف النفسية والاجتماعية المعاصرة مرة اختيار الموضوع، ومرة أخرى اختيار نقيض الموضوع، ومرة ثالثة مركب الموضوع، ومرة رابعة إلغاء المشكلة كلية والعودة إلى الواقع الملموس أو النص الخام مصوبا نحوه. فمن الطبيعيات مثلا يحتم واقعنا المعاصر اختيار استقلال قوانين الطبيعة واطرادها ردا على تكويننا النفسي الذي يرجع الأفعال إلى خوارق العادات. وفي التوحيد يكون التعطيل موقفنا النفسي المعاصر أكثر مساهمة في حل عقدنا العقلية، وذلك بالقضاء على التشخيص في الفكر المعياري، وإفساح المجال للإنسان لأن يفعل دون أن يوضع في بوتقة عامة تحيط بها الأغلاف. وفي خلق الأفعال تحتم ظروفنا النفسية المعاصرة نقيض الموضوع، وهو إثبات حرية الأفعال تقليلا من وطأة الجبرية وحتمية الأفعال التي نرزح تحتها، إما جبرية الدين أو جبرية الدنيا وخضوع الجماهير للإرادة المطلقة المشخصة، إرادة الله أو إرادة السلطان، أو خضوعها لحتمية الرغيف والقهر المادي. كما يحتم واقعنا المعاصر اختيار العقل أساسا للنقل ردا على حشوية العصر، واعتماده على النقل كحجة دون اتساق عقلي أو استشهاد واقعي. كما أن الظروف النفسية لواقعنا المعاصر، إن كنا صادقي النية في التغيير، تتطلب اختيار وجوب الثواب والعقاب، تصور العالم يحكمه قانون، ولا يخضع لإرادة مشخصة وأهوائها. كما يحتم واقعنا المعاصر اختيار الموضوع، وهو وحدة النظر والعمل، ردا على الفصل بينهما في حياتنا، أو تأخير العمل على النظر أو الحكم على العمل كما تفعل مرجئة العصر. وقد يعاني واقعنا المعاصر من التوسط قدر ما يعاني من التطرف، ولكن توسط السلطة أخطر على الأمة من تطرف المعارضة، والأجدى تطرف السلطة وتوسط المعارضة. والتطرف العاقل من أجل تغيير الوضع القائم خير من التوسط المبرر للأوضاع القائمة. كما يحتم واقعنا المعاصر اختيار رد الفعل القديم، وهو البيعة، ردا على ظروفنا الحالية التي يغلب عليها التعيين، وأن «الإمامة في العسكر» حتى ولو كانت في صيغة بيعة صورية معروفة نتائجها مسبقا. وقد تحتم ظروفنا خلق فرقة رابعة أو وضع حل رابع، فيلغي المشكلة تماما ويعتبرها متاهة عقلية، ويفضل حلها بإلغائها والرجوع إلى الأصول الأولى العامة التي حددت الموضوعات بلا تفريعات أو انحرافات، أو طرح مسائل نظرية لا ينتج عنها قيمة عملية، بل ينتج منها التشتت والتفرق والضياع. وقد تمثل الفقهاء القدماء والمصلحون المحدثون هذا الاتجاه، الله وظيفة، والحرية تحرر، والنص واقع، والحياة هدف، والوعي مستقل، والمعاد مستقبل، والحكم ثورة.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٦٠