115 (3-3) الشعور الاجتماعي (السياسي)
إن الشعور (المذهبي) البنائي الذي يكشف عن بنية العقائد والمذاهب والشعور الجدلي (التاريخي) الذي يكشف عن تطور الفرق وتاريخها، إنما هما في الحقيقة داخلان في الشعور الاجتماعي (السياسي) الذي يفسر نشأة العلم وتكوينه، تطوره وبناءه. قد يكون علم الكلام هو أول العلوم العقلية النقلية من حيث الزمان، تظهر فيه المحاولات الأولى لفهم النصوص فهما عقليا وتحويلها إلى معان، ثم تحويل المعاني إلى نظريات ومذاهب حول الإيمان والكفر والفسق والعصيان والنفاق. وقد نشأ نشأة داخلية محضة لإيجاد أساس نظري للسلوك ، ولتنظير الأحداث التي وقعت وتكاثرت في الفتنة وما بعدها. وقد أدى البحث عن النظرية إلى تفسير النصوص؛ فالنص الديني هو المرجع الأول للنظرية، ثم أدى اختلاف المصالح وتضارب الأهواء إلى اختلاف في تفسير النصوص التي تؤديها كل فرقة لصالحها، ولإثبات آرائها والدفاع عن مواقفها ومواقعها. نشأ علم الكلام نشأة داخلية محضة دون أن يتأثر بمؤثرات أجنبية في نشأته؛ مما حدا بالبعض إلى اعتباره الفلسفة الإسلامية الحقة، وأنه الممثل الوحيد للفكر الإسلامي، وهو الذي ظهرت فيه أصالة المسلمين فكان تصويرا لأحداث الواقع وتطوره. أما التقاء الحضارة الناشئة بحضارات أخرى وافدة بعد ترجمة أعمالها، فهو عامل متأخر ساعد على تطوير العلم، وقوى من تحليلاته العقلية، وخفف من وطأته كعلم للعقائد، كما وضح ذلك في المؤلفات الكلامية المتأخرة، بل إن هذا العامل لم يأت مباشرة من الحضارات الوافدة، بل أتى من الفلسفة التي تشبعت بها ثم حذا علم الكلام حذوها. ومع ذلك استطاع العلم ضمها ووضعها في إطاره وضع الفرع في الأصل، وأصبح علم الكلام ممثلا لعلم تاريخ الأديان ووارثا له.
علم الكلام إذن ليس تاريخا مقدسا. ويخطئ البعض عندما يوحد بينه وبين العقيدة الدينية، خاصة بعد أن وحد البعض بين علم الكلام والعقائد، وجعل علم الكلام أصول الدين. وهناك فرق شاسع بين علم الكلام والعقائد الدينية؛ فعلم الكلام محاولات اجتهادية لفهم العقيدة أو للعثور على أساس نظري لها، وتخضع كل هذه المحاولات للظروف التاريخية التي نشأت فيها، وللأحداث السياسية التي سببتها، وللغة العصر التي عبرت بها، وللمستوى الثقافي الذي ظهرت من خلاله. لا يمكن إذن التوحيد بين العقيدة كحقيقة مطلقة، وبين الصياغات التاريخية لها التي تحدث في زمان معين، ومكان معين، وبلغة معينة، وعلى مستوى ثقافي معين.
116
ويظل السؤال قائما: هل العقائد المطلقة أو العقائد في ذاتها موجودة بالفعل، أم أن الوحي نزل في فترة معينة بلغة معينة، وعلى مستوى ثقافي معين، وفي حضارة معينة، وفي مرحلة تاريخية معينة من تطور الوعي البشري؟ الوحي ذاته صياغات تاريخية ظهر على مراحل إنسانية متتالية ، وبلغات إنسانية متعددة، وفي سياقات حضارية مختلفة.
117
ويظل السؤال أيضا: هل يمكن للعقيدة المطلقة أن تتحدث عن نفسها؟ هل يقرأ الوحي الوحي ويفهم ذاته، أم أنه في اللحظة التي يقرأ فيها الوحي ويعبر عنه في فكرة، أو في وصفه تجربة، أو في تحليله لواقع، فإن العقيدة تتحول إلى فهم معين في عصر معين، وزمان معين، ولجماعة معينة، بل ولشخص معين؟
118
علم الكلام علم تاريخي محض، وليس علما مقدسا أو علما للعقائد الدينية نشأ مواكبا للأحداث التي وقعت للجماعة منذ الجيل الأول. ولو تغيرت الأحداث لتغير العلم. علم الكلام ما هو إلا غطاء نظري لأحداث الساعة في بيئة توجه الوقائع توجيها نظريا، ويحتاج كل سلوك فيها إلى أساس نظري من الوحي.
والمنهج الاجتماعي في تفسير نشأة الأفكار وتطورها ليس فقط مطلبا علميا للعصر، وبديهية من بديهيات العقول، وواقعا ملموسا مشاهدا عند كل فرد أبرزته إحدى الحضارات المجاورة، وأطلقت عليه «علم اجتماع المعرفة»، بل إنه كان يستعمل في التراث القديم لتفسير نشأة الأفكار. فتذكر الفكرة ثم تذكر الواقعة سببها، أو تذكر الواقعة ثم الأفكار التي نشأت منها.