تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يعاب على الفعل كموقف جذري التطرف والمغالاة، وإيقاف الوحي على ساق واحدة، ورؤية الحقيقة بعين واحدة، وإحالتها إلى جانب واحد. وهذا العيب هو طبيعة تكوين الحضارة، فما دام الوحي قد تحول إلى وضع، وتمثلته جماعة في ظروف نفسية واجتماعية معينة، يبدو الوحي في هذا السياق معبرا عن الطرف الآخر من الواقع. فإذا كان الواقع اضطهادا خرج الوحي تحررا، وإذا كان الواقع استئصالا خرج الوحي في صورة دعوة سرية، وإذا كانت الأغلبية منحازة خرج الوحي دعوة إلى أخذ الحق من النص غير المنحاز. وقد يعاب على الفعل كموقف جذري أنه عاطفي انفعالي خالص. والحقيقة أن الحضارة كلها موقف انفعالي، وأن الأفكار في نشأتها تجارب حية عند الجماعة، وأن الفكر ذاته انفعال وصل إلى حد التنظير في موقف نفسي واجتماعي متزن. وإذا كان الواقع منحازا فلا يمكن التعبير عنه فعلا أو كرد فعل إلا انفعالا. لا يظهر العقل إلا في المرحلة الثالثة، وهي الجمع بين النقيضين، ولكن الفعل ورد الفعل هما مرحلتان انفعاليتان. وقد يعاب على الفعل ثالثا أنه يعبر عن هوى أو مصلحة، ولا يعبر عن حقيقة مستقلة أو عن مصلحة الجماعة. ولكن هذا العيب أيضا يعبر عن طبيعة الجماعة ومسارها في التاريخ، وتفرقها إلى جماعات أصغر كل منها تحاول تمثيل الجماعة الكبرى، وتجعل تصورها تصور الوحي. وما دام الوحي قد أعلن عن الجماعة، وما دام التفسير قد بدأ، فإنه من الصعب التمييز بين الحقيقة والمصلحة، أو بين الوحي والهوى. كل جماعة تثبت ذاتها من خلال الوحي، ويحدث الصراع. وتبقى أبعد الجماعات عن الهوى وأقربها للوحي إذا ما ضمت الجماهير إليها وجذبتهم لها. وقد يعاب على الفعل رابعا أنه يتحول في نهاية الأمر إلى مذهب مغلق، وإلى عقيدة محكمة تكون مماثلة للوحي أو بديلا عنه، وأحيانا مناوئة له. وهذا أيضا طبيعي؛ فإذا ما تقدمت الجماعة في العمل خرج نظارها إلى عرض الاتجاه عرضا عقليا خالصا، فيتحول الموقف النفسي الاجتماعي تدريجيا إلى مذهب. وبتعاقب الأجيال يتكاثر العمل العقلي المذهبي، وتتحدد جوانب المذهب، ويتضح اتساقه العقلي إلى أن يقضى عليه بفعل الزمان، أو تظهر دعوات جديدة أكثر شبابا وحيوية تكون بداية مذهب جديد. وقد تحاول الأجيال الشابة للمذهب القديم تجديد حياته بالرجوع إلى الأصول الأولى ومحاولة إيجاد الاعتدال، خاصة بعد تغير الموقف النفسي الاجتماعي الأول.

أما ردود الأفعال فإنها تتميز أيضا بأنها هي الممارسة للفكر والملتزمة به، والقائمة على المحافظة على الطرف الآخر الذي غاب في الفعل. رد الفعل هو الجانب الآخر، الطرف المقابل. ومن التوتر بين الفعل ورد الفعل تنشأ الحياة الفكرية، وتظهر الأفكار الثانوية حتى بداية محاولات الجمع بينهما. ردود الفعل هي التي تبين حدود الفعل، وتعطي البديل، وتعبر عن التكامل الفكري أكثر مما تعبر عن الظروف النفسية والاجتماعية. يوضع العقل في مقابل الانفعال، والحق في مقابل الهوى. رد الفعل هو التحدي المستمر للفعل، المحدد لسلطته، والواقف له بالمرصاد، والمعبر عن حق المعارضة الفكرية وعن حرية الفكر. ومع ذلك قد ينتاب رد الفعل بعض العيوب، وفي مقدمتها تمثل السلطة والاعتماد عليها، وتحويلها إلى فكر رسمي للدولة، فتصبح بعد ذلك مقياسا للحق، وما عداها كفر وضلال. تنقلب حرية الفكر إلى قهر، ويضيع حق المعارضة الذي نشأ رد الفعل تعبيرا عنه.

وسواء عرضت المادة الكلامية كموضوعات أو كفرق، كشعور بنائي أو كشعور جدلي، فكلا الطريقين يؤديان إلى الفكر وإلى الموضوعات الفكرية؛ فالفرق الكلامية اتجاهات فكرية، والتاريخ ليس تاريخ حوادث خالصة أو وقائع مادية، بل هو ميدان لتحقق الأفكار وظهور الأينية الفكرية للوحي. فقد تطور موضوع التوحيد مثلا في مراحل ثلاث؛ التأليه والتجسيم عند الشيعة، غلاتها ومعتدليها، والتنزيه وإنكار الصفات عند المعتزلة، ثم التشبيه وإثبات الصفات عند الأشاعرة. هذا التطور التاريخي نفسه هو بناء الموضوع الفكري؛ فالتأليه والتجسيم هما الموضوع، والتنزيه بإنكار الصفات هو نقيض الموضوع، والتشبيه بإثبات الصفات هو مركب الموضوع. المراحل التاريخية هي نفسها الجوانب المختلفة للموضوع، لا فرق بين تطور الشيء وظهوره في التاريخ وبين بنائه وتحليله في الشعور. وما يقال عن التوحيد يقال أيضا في خلق الأفعال، وفي العقل والنقل، وفي الإيمان والعمل، وفي الإمامة، ويقال أيضا في الطبيعيات، وفي الوحي، وفي الإنسان.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٥٩