تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

تصعب التفرقة إذن بين التصديق الذي يتحول إلى إقرار والعمل؛ لأن التصديق بمعنى الإذعان والإقرار تعبير عن الإذعان؛ فإن التعبير له شكلان؛ الإقرار والعمل. وما دام قد تخارج بالإقرار فليس هناك ما يمنع أن يتخارج في العمل؛ وبالتالي يتحقق الفعل. وإن كل محاولة لجعل التصديق خارج الفعل وجعل الإقرار مقطوع الصلة بالإرادة واللغة، فإنه لا يهدف إلا إلى إماتة الإيمان؛ وذلك نتيجة لسيادة التصوف كعلم لبواطن القلوب على الأشعرية السائدة.

أما سؤال «هل الإيمان تصديق وعمل دون معرفة وإقرار؟» فيشير إلى نفس السؤال السابق في علاقات النظر: هل الإيمان معرفة وعمل دون تصديق وإقرار؟ فمع أن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، وهو أفضل من المعرفة النظرية والقول الفارغ، وهو طريق العمل الصامت الناتج عن التصديق القلبي، إلا أنه قد يتحول إلى عمل سري إن لم يصاحبه الإعلان. وقد يصبح تعصبا وضيق أفق إن لم يرتكز على أساس نظري.

18 (2-3) هل الإيمان تصديق وإقرار وعمل دون معرفة؟

في العلاقات الثلاثية التي يبدأ التصديق بها يكون الإيمان تصديقا وإقرارا وعملا دون معرفة. وفي هذه الحالة يكون السلوك أيضا صادقا علنيا، ولكن ينقصه بعض القدرة على الحوار مع الآخرين، والتعامل مع الواقع الإحصائي، وفهم علل السلوك؛ فالنشاط لا يعفي من الفهم، والحركة لا تغني عن الإدراك. يستحيل تحقيق فعل واع باجتماع الأبعاد الثلاثة، التصديق والإقرار والعمل دون المعرفة، نظرا لغياب الجانب النظري للسلوك. قد وقع الفعل، ولكنه يكون انفعالا وخطابة، حماسا واندفاعا غير قادر على احتواء أفعال الآخرين الذين يخالفونه في المعارف.

19 (2-4) الإيمان تصديق ومعرفة وإقرار وعمل

هذه هي العلاقة الرباعية الأخيرة التي تتفق مع الاحتمال الأخير في علاقات المعرفة، وهي أن الإيمان معرفة وتصديق وإقرار وعمل. والخلاف فقط في البداية بالمعرفة أولا وبالتصديق ثانيا. والحقيقة أن كل بعد يحتوي على الأبعاد الثلاثة الأخرى؛ إذ يستحيل وجود تصديق بلا عمل؛ فالطاقة لا بد وأن تتحول إلى حركة. إن كل تصديق هو تصديق بشيء، وهذا الشيء يتأسس في الذهن، ويعبر عنه باللسان، ويتحقق باليد؛ فإذا كان الإيمان هو المعرفة والتصديق فإن الإسلام هو الإقرار والعمل؛ وبالتالي يضم الإسلام الإحسان. إن الوحدة بين الداخل والخارج، بين الطاقة والحركة، بين التصور والنظام، أو كما يقول القدماء بين العقيدة والشريعة هو تحقيق للإيمان الكامل الذي يجمع بين النظر، المعرفة والتصديق، والعمل؛ أي الإقرار والفعل. بهذه الوحدة لا تتسرب الطاقة الداخلية، ولا يبتسر الفعل الخارجي.

20

| رابعا: الإقرار

الإقرار هو البعد الثالث للشعور بعد المعرفة والتصديق وقبل العمل. ويعني الإقرار التلفظ بكلمتي الشهادة؛ فالإقرار هو القول؛ أي عمل اللسان والنطق بكلمة تعلن عن التصديق الذي يعلن بدوره عن البرهان. وما فائدة القول إن لم يعبر عن شيء؟ فالقول لفظ يعبر عن معنى، والمعنى يكون في الشعور ينكشف في تجربة تصديق، ويدرك بالذهن، ثم يتحقق بالعمل. (1) ماذا يعني الإقرار؟

الإقرار هو النطق بكلمتي الشهادة، حتى ولو أضمر صاحبه الكفر أو النفاق؛ أي حتى ولو لم تكن هناك معرفة أو تصديق بهاتين الكلمتين. ويظل إيمان الكافر أو المنافق الناطق بالشهادتين مثل إيمان جبريل وميكائيل والأنبياء أجمعين! الإقرار باللسان وليس تصديقا بالقلب أو برهانا بالعقل أو فعلا باليد. وقد تواتر اقتناع الرسول بالكلمتين، ومنعه التفتيش في الضمائر وشق قلوب الناس. وما علينا إلا الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر. والظاهر عندنا هو القول أو الفعل، والباطن هو المعرفة أو التصديق. ويكفي في الإقرار مرة واحدة دون التكرار، على عكس الأفعال الشرعية مثل الصلاة التي يقصد من الأمر فيها التكرار. وبعد ازدواج التصوف مع الأشعرية أصبح الإقرار قديما في عهد الذر عندما أشهد الله الناس على أنفسهم «ألست بربكم؟» فقالوا: بلى. وبالتالي لا يحتاج الإنسان إلى تكرار الإقرار في الدنيا إلا مرة واحدة.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٥