تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

113

ولا يكون فريق بعينه باستمرار هو الممثل للفعل أو لرد الفعل أو للجمع بينهما، قد يكون فريق هو صاحب الفعل مرة، وهو القائم برد الفعل مرة ثانية، وهو الذي يجمع بين النقيضين مرة ثالثة. ففي التوحيد الشيعة هم أصحاب الفعل بقولهم بالتأليه والتجسيم، وأصحاب الفعل أيضا في الإمامة في قولهم بالتعيين، ولكنهم في العقل والنقل أصحاب رد الفعل في ممارستهم للتأويل كرد فعل على الالتزام الحرفي بالنصوص، وفي كشفهم لميدان الشعور والعواطف والانفعالات ضد عالم العقل المجرد، وفي تركيزهم على الحلول كرد فعل على المفارقة. والمعتزلة باستمرار هم أصحاب رد الفعل؛ فهم القائلون بالتنزيه ضد التشبيه، والمثبتون للحرية ضد الجبر، والمثبتون للعقل ضد الحشوية، والقائلون بالشورى ضد التعيين، والقائلون بالطبائع ضد أهل السنة. ولكنهم يحاولون أيضا الجمع بين النقيضين في المنزلة بين المنزلتين. ولكن الغالب بأن الأشاعرة هم القائلون باستمرار بالجمع بين النقيضين؛ فهم يمثلون أهل الوسط والاتزان. ففي الطبيعة يقولون بطبائع مخلوقة، وفي التوحيد يثبتون الصفات بلا تشبيه ولا تعطيل، وفي الحرية يثبتون الكسب وسطا بين الجبر والاختيار، وفي العقل والنقل يوفقون بينهما دون إعطاء الأولوية لأحدهما على الآخر، وفي الإيمان والعمل يحاولون الجمع بينهما دون الحكم بأحدهما على الآخر. وفي الإمامة يحاولون الجمع بين التعيين بالنص والبيعة بالشورى بجعل الإمامة في قريش.

وبالرغم مما يقال عن مميزات الجمع بين النقيضين من فضائل الاتزان والاعتدال، والتعبير عن الأصول وعدم الانحراف عنها، واتباع الحق دون الهوى، والتعبير عن مصلحة الجماعة العامة دون ترجيح حق فئة على أخرى ، فإن العيوب والمثالب أوضح وأكثر خطورة وأشد ضررا؛ فكثيرا ما يتحدد الجمع بين النقيضين عن طريق النفي، مثل إثبات الصفات بلا تشبيه أو تعطيل، أو إثباتها بلا كيف. وهذا مستحيل؛ لأن إثبات الصفات يقتضي وصف هذا الشيء المثبت، والقول بأن الصفة لا توصف تهرب من الإشكال الأول. الاكتفاء بتحديد الفكر عن طريق النفي اتجاه سلبي خالص وهروب من أخذ المواقف. وفي هذه الحالة يكون التوقف عن الحكم وإلغاء المشكلة أفضل وأكثر صراحة. فإذا حاول التوفيق بين النقيضين قول شيء إيجابي فإنه لا يتجاوز تحصيل الحاصل، مثل صفة بلا وصف، أو شيء لا ككل الأشياء؛ فمثل هذه الأحكام لا تتجاوز «محلك سر»، خطوة إلى الإمام وخطوة إلى الخلف. فإذا حاول الجمع بين النقيضين قول شيء أكثر إيجابية، فإنه في العادة يمكن نقضه بالعقل؛ لأنه لا يقوم أساسا على نظرية في العقل، بل يلحق العقل بالنقل، ويجعل عمله الفهم والتفسير، وليس الوضع والتأصيل وتأسيس بداهات العقول. وفي الغالب يكون تنظيم العقل على هذا النحو غامضا صعبا على الجمهور، كما يمكن للعقلاء نقضه. وقد كان هذا الموقف هو العدو الألد لموقف الفلاسفة، خاصة آخر الحكماء الذين شنوا باسم العقل أشنع هجوم على الجمع بين النقيضين والمواقف المتوسطة باسم العقل. وأخيرا فإن التوسط بين الطرفين نهاية للحضارة وقضاء على الفكر؛ فهو يعبر عن نقص في الشجاعة وعدم التزام بالمواقف، ومحاولة تجاوز المتناقضات لا عن طريق صراعها، بل بالتعالي عنها وتفادي حركتها المتناقضة. وهذا ما حدث بالفعل؛ فقد انتهى الفكر، وتوقفت الحضارة، وهدأ الانفعال، ورجع الناس إلى العقائد الأولى دون أي عمل عقلي أو حضاري، ثم أصبحت العقائد المذهب الرسمي للدولة، فأصبح المتوسط هو فكر السلطة، واستحال بعد ذلك قول شيء أو تأسيس دعوى كفعل أو كرد فعل.

وأصحاب ردود الأفعال هم في الغالب أصحاب المواقف الجذرية، أي المعارضة بأنواعها الثلاثة، وعلى رأسهم الشيعة والخوارج والمعتزلة. فالتأليه والتنزيه موقفان جذريان لا وسط بينهما، الجبر والاختيار، التعيين والبيعة، النقل والعقل، الإيمان والعمل، الطبيعة والخلق؛ كل ذلك مواقف جذرية لا تقبل الوسط أو التوسط. ويمتاز الفعل كموقف جذري، بأنه دعوة تقول شيئا، وتضع موضوعا وتقيم مذهبا، وتؤسس فكرا، وتبدأ تيارا. كما أن الفعل موقف جذري، العامل المحرك للفكر، وهو المثير الذهني، شوكة في البدن، مهمته ضرب المائدة بقبضة اليد، وإثارة المشاعر، وتفتيح الأذهان. ويعبر عن ظروف العصر وبنائه النفسي والاجتماعي. هو المحول للوحي إلى موقف، والمعبر عن الدوام في الزمان. وباختصار إن هذا المثير هو البادئ للحضارة؛ إذ تؤرخ الحضارات ببداية الدعاوى الفكرية الأولى التي أثارت الانتباه. والدعوات الأصيلة تظل باعثا على ردود الأفعال باستمرار مع توالي العصور وتعاقب الأجيال.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٥٨