106
وفي الحسن والقبح العقليين يقول فريق بأن حسن الأشياء وقبحها من خارج الأشياء، وأن الأشياء لا تحتوي على صفات موضوعية كالحسن والقبح؛ ثم ينشأ رد الفعل بقول فريق آخر بأن حسن الأشياء أو قبحها من داخل الأشياء، وصفات موضوعية يدركها العقل؛ ثم يأتي فريق ثالث ليحاول الجمع بين النقيضين، فيجعل حسن الأشياء وقبحها في الأشياء إلا الشرائع التي يكون حسنها أو قبحها من خارجها.
107
وفي الوعد والوعيد يثبت المعتزلة وجوب الثواب والعقاب طبقا للأعمال، وينفي أهل السنة هذا الوجوب، ويجعلون كل شيء مرهونا بمشيئة الإرادة المطلقة، ويأتي فريق ثالث ليقول بالوجوب الشرعي.
108
وفي الإيمان والعمل يبدأ الخوارج والمرجئة على طرفي نقيض. يثبت الأولون العمل كمعبر وحيد عن الإيمان، وإلا فلا إيمان ويكون الكفر. ويثبت الآخرون الإيمان مكتفيا بذاته دون عمل، ويكون الإيمان في غياب العمل. ثم تقترح المعتزلة المنزلة بين المنزلتين للجمع بين الحلين المتعارضين، والإبقاء على جزء من الإيمان وجزء من العمل.
109
نشأت المرجئة بدعوى الإرجاء في الإيمان؛ أي تأخير العمل على الإيمان كرد فعل على الأحكام القاطعة التي صدرت وقت الفتنة على الناس بالإيمان والكفر والفسق، حيث تقطعت الرقاب من جراء الحكم على أعمال الناس وجعل العمل مقياس الإيمان والمعبر عنه. فإذا كان الخوارج يثبتون صلة الإيمان بالعمل، فإن المرجئة يثبتون الإيمان دون العمل، ويجعلونه نظرا ومعرفة. وإذا كانت الخوارج تحكم على الناس بالكفر والإيمان، فإن المرجئة ترجئ الحكم. وإذا كانت الخوارج ترى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فإن المرجئة ترى أن الإيمان يزيد وينقص. وإذا كانت الخوارج ترى أن الدار دار كفر وحرب، فإن المرجئة ترى أن الدار دار إيمان وسلام.
110
كما تظهر المعتزلة إثباتا لدعوى المنزلة بين المنزلتين كدعوى مناقضة للكفر أو للإيمان؛ ومن ثم تشارك الخوارج في الصلة بين الإيمان والعمل.
111
وفي الإمامة يقول فريق بالتعيين وهم الشيعة، ثم يظهر رد الفعل عند فريق آخر في القول بالاختيار المطلق وهم المعتزلة والخوارج، ثم يأتي فريق ثالث يجمع بين التعيين والاختيار، ويجعل الأئمة من قريش، وهم أهل السنة والأشاعرة.
وكثيرا ما يكون الجمع بين النقيضين أقرب إلى طرف منه إلى الطرف الآخر؛ فالطبائع المخلوقة أقرب إلى إنكار الطبائع منه إلى إثباتها، وإثبات الصفات أقرب إلى التشبيه منه إلى التنزيه، والكسب أقرب إلى الجبر منه إلى الاختيار، واتفاق النقل مع العقل أقرب إلى القول بأولوية النقل على العقل، والمنزلة بين المنزلتين أقرب إلى إيمان الأشاعرة منه إلى إيمان الخوارج، وجعل الأئمة من قريش أقرب إلى التعيين منه إلى الاختيار. وقد لا يبدو الوسط على الإطلاق نظرا لأنه لا يمثل شيئا، وأن التعارض الفعلي هو بين الموضوع ونقيضه، فهما طرفا الفكر، وهما الاتجاهان ولا ثالث لهما، ولا يذكر الوسط على الإطلاق، وهما في الغالب المعتزلة والأشاعرة؛ ففي التوحيد هناك إثبات الصفات وإنكارها ... إلخ.
112
ويظهر التعارض بين النقيضين دون وجود حل ثالث بينهما خاصة في المسائل الصغرى؛ فالتعارض بين الطرفين أقوى من الجمع بينهما في طرف ثالث، فتغيب المقولة الثالثة بتاتا. ففي الحسن والقبح يظهر الطرفان المتناقضان: الحسن والقبح صفتان من خارج الأشياء، فالأشياء ذاتها ليست حسنة ولا قبيحة. والحسن والقبح صفتان من داخل الأشياء، صفتان موضوعيتان في الأشياء يدركها العقل. ولكن الطرف الثالث، وهو أن الحسن والقبح بناءان اجتماعيان، غائب تماما. وفي العقل والنقل أيضا يبدو الطرفان المتقابلان على أنهما النقل أساس العقل أو العقل أساس النقل، وإذا تم التوحيد بينهما فإنه يتم عن طريق التخصيص والاستثناء وإخراج ميدان الشرائع من العقليات. أما المقولة الثالثة، وهي الواقع، فهي غائبة بتاتا. فالواقع هو أساس النقل والعقل على السواء؛ أي التطابق مع الواقع. وقد تظهر الحلول الثلاثة، النقيضان والجمع بينهما في لا زمان، تظهر جميعا في وقت واحد؛ مما يدل على أن الحلول الثلاثة نماذج دائمة للفكر، وأنه لا يعني ظهورها بالضرورة ظهور فرقة تاريخية متزامنة أو متتالية في الزمان لتمثيلها والتعبير عنها؛ فالقول بأن الإنسان بدن فقط أو روح فقط أو بدن وروح يظهر في الوقت نفسه وعند كل فرقة. وقد يظهر قانون الجدل داخل الفرقة الواحدة بين الغلاة والمعتدلين؛ مما يجعل الحد بين الفرق صعبا؛ فمعتدلو الروافض مثلا الزيدية مثلا لا يبتعدون عن المعتزلة، وغلاة أهل السنة لا يبتعدون عن التجسيم والتشبيه عند الروافض.