97
ولا يوجد منهج محكم في معظم المصنفات الكلامية لعرض تاريخ الفرق. ويتأرجح معظمها بين تتبع النشأة الزمانية وبين عرض الموضوعات العقائدية، وإن كانت أقرب إلى المنهج الثاني؛ أي عرض الفرق من خلال الموضوعات. ويختلف الترتيب الزماني والموضوعي حسب الموضوع؛ ففي الإمامة مثلا تظهر الرافضة أولا ثم يناقضهم فيها الخوارج، في حين أنه في التوحيد تقول الرافضة أولا بالتأليه أو التجسيم ثم يظهر المعتزلة ويقولون بالتنزيه.
98
وقد ينشأ رد الفعل على الفور إذا كانت عملية خالصة مثل الإمامة، أو متأخرة إذا كانت نظرية تحتاج إلى تفكير وتدبر مثل التوحيد. فبعد أن ظهر التأليه مبكرا للغاية في حياة علي لم يظهر توحيد المعتزلة ونفي الصفات إلا متأخرا. وقد ظهرت الروافض بدعوى التأليه، فظهورهم هنا سابق على الخوارج فيما يتعلق بالتأليه، وقد حدث ذلك في حياة علي.
99
وفي هذا الجو العام من التوتر النفسي وجهل العرب، وشدة انتسابهم إلى الدعوات في عصر الدعوات، يمكن أن يكون عبد الله بن سبأ منشئ التأليه من خلفياته الدينية القديمة. لم يكن العرب يعرفونه؛ إذ كانت الوثنية لديهم سطحية، بالإضافة إلى أنه يقوم على الإعجاب بالبطل في عصر البطولة وبين الأبطال. فالخوارج والشيعة نقيضان، وإن لم يخرج النقيض من النقيض زمانيا. نشأ الخوارج أولا برفضهم إمامة علي، ثم نشأ الشيعة ثانيا بعد مقتل علي وبنيه. فمن حيث موقعهم من علي هما نقيضان، وإن تولد أحدهما عن الآخر زمانيا.
100
وينطبق قانون الفعل ورد الفعل أو قانون الجدل من الموضوع إلى نقيض الموضوع إلى مركب الموضوع، ليس فقط على تاريخ الفرق وتوالد بعضها من البعض الآخر، بل أيضا على موضوعات العلم الرئيسية؛ إذ تحل المشكلة أولا باختيار أحد النقيضين، ثم يأتي الحل الثاني بالنقيض، وأخيرا يأتي الحل الثالث يحاول الجمع بين النقيضين في وسط متناسب متفاديا الغلو والتطرف. يأتي الحل الأول في ظروف نفسية واجتماعية معينة، ثم يأتي نقيضه لإعادة التوازن، وإبراز ما خفي، إذ لا يقف أمام التطرف إلا تطرف مضاد، ثم يأتي الحل الثالث لإلغاء الطرفين ومحاولة استعادة التوازن الفكري. فمثلا في نظرية الوجود (الطبيعيات) يقضي فريق على استقلال الطبيعة وعلى فعلها، ويجعل حركتها ومسارها من خارجها؛ فينشأ رد فعل عند أصحاب الطبائع القائلين بالطباع، وأن فعل الطبيعة وحركتها من داخلها بفعل طبائع الأشياء؛ ثم يأتي فريق ثالث يجمع بين النقيضين ويقول بالطبائع، ولكنه يجعلها مخلوقة.
101
وفي التوحيد يعرض التأليه أو التجسيم أو التشبيه من الشيعة، فينشأ رد الفعل من المعتزلة فيقترحون التنزيه لدرجة نفي الصفات، فالتعطيل أكبر رد فعل على التجسيم والتشبيه، ثم يأتي الحل الثالث الذي اقترحه الأشاعرة لإعادة التوازن الفكري، ويقترحون إثبات الصفات بلا تشبيه ولا تعطيل تفاديا لتطرف النقيضين.
102
وفي خلق الأفعال (الجبر والاختيار) يعرض الجبر المطلق أولا، وتثبت الإرادة الإلهية المطلقة، وتنكر حرية الاختيار؛ ثم ينشأ رد الفعل ويوضع النقيض، فتتأكد حرية الاختيار ومسئولية الإنسان المطلقة عن أفعاله؛ ثم يأتي الحل الثالث للجمع بين النقيضين، ويقال بالكسب وبخلق القدرة في زمان الاستطاعة.
103
وأحيانا تظهر القدرية وكأنها إثبات لدعوى نفي القدر وإثبات الاستطاعة.
104
وقد تضم المسألتان، مرتكب الكبيرة والاختيار، في مسألة واحدة هي الفعل أو السلوك. فإذا كانت المسألة هي الاختيار يكون إثبات الاختيار رد فعل على الجبر لا العكس.
105
وفي العقل والنقل يقال أولا إن النقل مكتف بذاته ولا يحتاج إلى عمل عقلي يخرج النص من مكانه، وتقدم الحشوية الاقتراح؛ فينشأ رد الفعل ليجعل العقل أساس النقل، فإذا تعارض النقل مع العقل أول النقل لحساب العقل، ويقدم المعتزلة هذا الرأي؛ ثم يأتي حل ثالث يجمع بين العقل والنقل، ويعرض اتفاق صحيح المنقول مع صريح المعقول ابتداء.