وفي داخل السنة هناك اختياران آخران؛ المعتزلة والأشاعرة، على طرفي نقيض، المعارضة العقلية المستنيرة والسلطة النصية القاهرة. وكل فرقة تمثل مذهبا متكاملا، ابتداء من التوحيد والخلق والبعث ونهاية العالم.
94
ففي التوحيد تنكر المعتزلة الصفات حرصا على التنزيه، وتنكر كل صور التشبيه والتجسيم حتى ولو اضطرت إلى تأويل النصوص لإثبات معانيها العقلية. ولما أنكرت الصفات أثبتت حرية الإنسان؛ فالإنسان خالق أفعاله، ومسئول عن الخير والشر في العالم، وقادر على الأعمال. وفي النهاية يكون له ما قدم من خير أو شر دون وساطة أو شفاعة، ويكون الحكم بعد البعث وهو على وعي به وليس قبله. وكما رفض التجسيم في البداية يرفض في النهاية؛ فالثواب والعقاب خلقيان أكثر منهما ماديين؛ فالرضا عن الذات أفرح للنفس من الجزاء المادي، وتأنيب الضمير أوقع على النفس من العذاب الجسماني. أما الأشاعرة فتمثل المذهب المقابل؛ تثبت الصفات ولا ترى حرجا في القول بالتشبيه، بل وبالتجسيم، حرصا على حرفية النصوص. وما دامت الصفات مثبتة فهي أيضا فاعلة في العالم؛ فهي مسئولة عن كل ما يقع من الإنسان ومن الطبيعة من خير أو شر. وفي النهاية يبدأ الحساب الجسماني، والحكم على أفعال الإنسان، وتوقيع الجزاء المادي عليه ثوابا أم عقابا.
ونظرا لغلبة المذهب على الفرقة، والموضوع على التاريخ، فقد عرفت كل فرقة بالموضوع الذي اشتهرت به، وأصبحت الموضوعات عناوين لفرق؛ فغلاة الشيعة يقولون جميعا بالتأليه وبالتجسيم وبالتشبيه، وهو أحد الحلول لموضوع التوحيد، فإذا ذكر التأليه أو التجسيم ذكر غلاة الشيعة. وتقول المعتزلة بالتنزيه المطلق ونفي الصفات، فإذا قيل التنزيه أو نفي الصفات ذكر المعتزلة. ويغلب على الخوارج والمرجئة موضوع الإيمان والعمل، فإذا ذكر الموضوعان ذكرت الفرقتان.
95
ويغلب على كل فرقة موضوع أو أكثر؛ فمثلا يغلب على الخوارج موضوعا الإمامة والإيمان والعمل؛ مما يدل على الطابع العملي لفكر الفرقة، وليس الطابع النظري كما هو الحال في الذات والصفات أو الجبر والاختيار؛ لذلك أسست الفرقة فقها ونظمت تشريعا. والأهم من ذلك كله هو انتظام الفرق كلها في أصول بصرف النظر عن عددها. فإذا كانت الأصول أربعة؛ التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والإيمان والعمل؛ وكانت أمهات الفرق أربعا؛ الشيعة والخوارج والمعتزلة ومرجئة (أشاعرة)، ثلاثة للمعارضة وواحدة للسلطة؛ اختلفت الشيعة والمعتزلة في التوحيد، والمرجئة والخوارج في الإيمان والعمل، والمرجئة والمعتزلة في الوعد والوعيد، والشيعة والخوارج في الإمامة.
96
كل حل لمشكلة ليس قائما بذاته، بل يؤدي إلى حل المشكلة الأخرى بالطريقة نفسها؛ فإنكار الصفات يؤدي بالضرورة إلى ترك العالم مفتوحا إلى فعل الإنسان وحرية اختياره، كما يؤدي بالضرورة إلى إعمال العقل وإثبات قوانين مطردة للطبيعة. أما إثبات الصفات فإنه يؤدي إلى إثبات فاعليتها في الطبيعة ، ومزاحمة الفعل الإنساني ومشاركته، وإلى تصور الطبيعة ميدانا للصفات المطلقة، والعقل واقفا وراء النقل؛ أي نافيا لاستقلال العقل والطبيعة. (3-2) الشعور الجدلي (التاريخي)
يكشف الشعور المذهبي البنائي على أن الفرق موضوعات، وأن الموضوعات أصول، وأن أمهات الفرق تدخل في جدل بينها حول هذه الأصول؛ فالمعتزلة والشيعة على طرفي نقيض في التوحيد، والشيعة والخوارج على طرفي نقيض في الإمامة، والخوارج والمرجئة على طرفي نقيض في الإيمان والعمل، والمعتزلة والمرجئة على طرفي نقيض في الوعد والوعيد. ويستطيع الشعور الجدلي أن يصف التاريخ، وفي الوقت نفسه يدرك دلالة المذهب، ويبرز النسق العقائدي للفرقة، وذلك من خلال نشأة الفرق وتوالدها بعضها عن البعض الآخر طبقا لقانون الفعل ورد الفعل؛ أي طبقا للمنهج الجدلي القائم على التعارض والأضداد.