تكشف الفرق الأربع، ثلاث للمعارضة وواحدة للسلطة، عن وجود موضوعات للخلاف أو عقائد يتم عليها التفرق، كل فرقة حسب موقفها السياسي. فالمعارضة السرية في الداخل تقول بالحلول، ويتم تكفيرها دينيا كستار للإبعاد السياسي. والمعارضة العلنية في الخارج يصعب تكفيرها دينيا لقولها بأصلي التوحيد والعدل، وهما اليقين في الإلهيات، فلا مفر من تكفيرها سياسيا بدعوى الخروج على السلطان. والمعارضة العلنية في الداخل يصعب تكفيرها دينيا لقولها بالأصول الخمسة كفكر للمعارضة؛ لذلك يتم تكفيرها دينيا وسياسيا، ويظل التكفير السياسي أقوى. وتظل المعارضة العلنية في الخارج والداخل عن طريق أصلي التوحيد والعدل أقوى من المعارضة السرية في الداخل عن طريق الإمامة. وفرقة السلطان أيضا يسهل تكفيرها من الفقهاء لفصلها الإيمان عن العمل.
92
وكثير من فرق المعارضة الفرعية تقرب من فرقة السلطان؛ مما يدل على أن جذور الفرقة الناجية عند الفرق الضالة، وأن جذور الفرقة الضالة في الفرقة الناجية. إذا هلكت المعارضة هلكت السلطة معها، وإن نجت السلطة نجت المعارضة معها.
93
فكل فرقة تمثل عقيدة ومذهبا وفكرا، سواء كانت المعارضة سرية، أم علنية في الداخل أم في الخارج، أو كانت للسلطة. وتمثل الفرق بصرف النظر عن كونها فرقا تاريخية خالصة، تيارات فكرية واتجاهات نظرية يمكن تحديد أصولها وتحويلها إلى تصورات مختلفة للعالم، أو مناهج حياة، أو نظم اجتماعية وسياسية. كل فرقة حولت الوحي إلى مذهب نتيجة لظروفها التاريخية والاجتماعية والسياسية.
فالفرقتان الكبيرتان اليوم، السنة والشيعة، كل منهما يمثل اتجاها فكريا من التوحيد حتى الإمامة، في الله وفي الطبيعة، في الإنسان وفي المجتمع. فبينما تقول الشيعة في التوحيد بالتأليه أو التجسيم، تقول السنة بالتشبيه أو التنزيه. وبينما تقول الشيعة بالفيض، وبأن الفرق بين الروح والمادة هو فرق في الدرجة لا في النوع، تقول أهل السنة بالخلق، وأن الفرق بين الروح والمادة فرق في النوع لا فرق في الدرجة. وفي الإنسان بينما تقول الشيعة بوجود حقائق الوحي في القلب، ويمكن العثور عليها بالتأويل، فإن استعصى التأويل فتقليد الإمام، يثبت السنة بديهيات العقول، ووضوح النصوص، واجتهادا في فهمها. وبينما ترى الشيعة أن نموذج السلوك الأمثل هو الطاعة والانقياد وتنفيذ تعاليم الإمام، ترى السنة أن نموذج السلوك الأمثل هو الفعل الحر والعمل المسئول. وبينما ترى الشيعة أن الإيمان مكتف بذاته، وأنه إيمان بحب آل البيت، ترى السنة أن الإيمان قول وعمل، وأن لا وجود للإيمان إلا بالعمل. وبينما تقول الشيعة بوحدة الأديان، ولا ترى ضيرا في الاستعانة بمراحل الوحي السابقة، أو الإلهام اللاحق الذي يكشف عنه الأئمة، يقول السنة باكتمال الوحي وانتهائه بانقطاع الرسل. وبينما تقول الشيعة بتعيين الإمام، تقول السنة بالشورى وبالبيعة العامة. وبصرف النظر عن الفروق في الدرجة في هذا التقابل عند كل فريق، وعلى فرض صحة هذا التقابل كاختيار فكري، فإنه نظرا لتغير الظروف الاجتماعية لكل منهما عبر التاريخ، فقد انقلب الاختيار. فقد لا يقل السنة تجسيما وتشبيها بل وتأليها من الشيعة، ولا يقل الشيعة تنزيها عن السنة. وقد لا يقل أهل السنة تأويلا من الشيعة، ولا يقل الشيعة حرفية من السنة. وليس السنة أقل طاعة من الشيعة، في حين أن الشيعة قادرون على المعارضة والثورة. كما أصبح الإيمان عند السنة مكتفيا بذاته، في حين أصبح عند الشيعة عملا تاريخيا. وقد وقع السنة في الروحانية، وضاع لديها الفصل بين الروح والمادة، وأصبح الشيعة أكثر فصلا بينهما من السنة. كما أصبحت السنة أكثر موالاة للنصارى واليهود من الشيعة، يقومون بتعيين الإمام وراثة من العسكر، بينما تثور الشيعة على ملك الملوك. فالشعور المذهبي هو اختيار عقائدي يكشف عن موقف سياسي متغير من عصر إلى عصر؛ وبالتالي يكون أحد أبعاد الشعور التاريخي.