84
وفي النهاية يرفض بعض المتكلمين الأفكار الموجهة لحوادث التاريخ، وآثروا القيام بتاريخ فكري خالص دون التنكر لوحدة الفكر كوحدة نمطية يتم الانحراف عنها والتشتت فيها.
85
وبالرغم من التعسف النظري في اختيار عدد الفرق، فقد جاءت كل المحاولات
لإحصائها تتفق مع هذا العدد السبعيني بطريقة أو بأخرى. وحتى يكتمل العدد تدخل الفرق غير الإسلامية أحيانا مع الفرق الإسلامية، أو للتمويه على أن إحصاء الفرق أمر تاريخي خالص، وليس لتكفير المعارضة باسم فرقة السلطان.
86
وأحيانا توضع فرق أخرى غير كلامية مثل الحكماء والصوفية، إما مع الفرق غير الإسلامية أو مع الفرق الإسلامية. وكيف يمكن لعلم أصول الدين أن يرصد جميع المذاهب والفرق خارج الحضارة الإسلامية، وأن يقوم بمهمة تاريخ علم للأديان؟ يمكن ذلك بالاقتصار على الأصول دون الفروع، وعلى أمهات المذاهب لا المقالات، وتصنيف الفرق غير الإسلامية حسب الأهمية دون مراعاة لترتيب زماني أو موضوعي.
87
ولما استحال عرض ثلاث وسبعين فرقة، فكان لا بد من تجميعها في فرق كبرى وفرق صغرى، أو أمهات الفرق وصغار الفرق، أو أصول الفرق ثم فروع الفرق. ويقل التجميع والتصنيف ابتداء من عشر فرق؛ العشرة فالثمانية فالسبعة فالخمسة فالأربعة، وهو الحد الأدنى لتصنيف أمهات الفرق أو الفرق الكبرى أو أصول الفرق. والحقيقة أنه يمكن رد الفرق كلها ابتداء من الثلاث وسبعين فرقة حتى الأربع الكبرى إلى أربع فرق رئيسية؛ ثلاثة منها تمثل المعارضة؛ المعارضة السرية في الداخل (الشيعة)، والمعارضة العلنية في الخارج (الخوارج)، والمعارضة العلنية في الداخل (المعتزلة)، والرابعة هي فرقة السلطان. تضم فرق المعارضة الثلاث إذن الاثنتين وسبعين فرقة الهالكة، بينما تضم فرقة السلطان فرقة واحدة هي الفرقة الناجية.
88
فهل يعقل أن تكون فرق المعارضة بمثل هذه الكثرة وكلها هالكة، وتكون فرقة السلطان بهذه القلة وهي الوحيدة الناجية؟ وأين الصراع على السلطة داخل فرقة السلطان؟ وأين الخلاف في الرأي بين الفرق الصغرى في الفرقة الناجية؟ وأين الاتفاق في الرأي بين الفرق الضالة ؟ ومعروف أن المعارضة العلنية في الداخل (المعتزلة) هي التي وضعت الأصول العامة في التوحيد والعدل، والتي اعتمدت عليها باقي فرق المعارضة الأخرى؛ السرية في الداخل (الشيعة)، والعلنية في الخارج (الخوارج). فرق الأمة إذن أربع على المستوى نفسه دون هلاك أو نجاة.
89
وهي أمهات الفرق التي تنتظم بعد ذلك الفرق الثلاث وسبعين جمعا وطرحا وضربا وقسمة.
90
والحقيقة أن كل هذه الفرق الصغيرة لا تهم تاريخيا بقدر ما تهم لإكمال العدد. حتى ولو وجدت تاريخيا، فما الفائدة من ذكر فرق انقضى عهدها وانقرض أنصارها؟ وكلها أسماء أعلام أكثر منها موضوعات؛ مما يدل على ربط الفرق بأشخاص أصحابها، وكأنها خلافات شخصية. ولا يمكن حفظها أو استرجاعها أو حتى استعمالها. وهل القصد تشويه وحدة الأمة وبيان خلافاتها حتى يهرع الناس إلى الفرقة الناجية طلبا للوحدة والأمان؟ والعقائد مجرد سلاح في يد الخصوم تكشف عما تحتها، وهو الصراع السياسي بين القوى السياسية المختلفة بين المعارضة والسلطة. معركة الصراع في الحقيقة هي معركة اجتماعية سياسية، خصومات أهواء وصراع مصالح. للعقائد ظهر وبطن؛ ظهرها الدين، وباطنها السياسة؛ ظاهرها الله، وباطنها العالم.
91 (3) من التفرق إلى الوحدة
إذا كان المسار الأول للتاريخ الفكري من الوحدة إلى التفرق عند القدماء، فإن المسار الثاني له يمكن أن يكون من التفرق إلى الوحدة عند جيلنا. فالفرق الثلاث وسبعون يمكن ردها إلى ما هو أقل منها إلى فرق كبرى أربع هي فرق المعارضة الثلاث وفرقة السلطان؛ أي الصراع بين المعارضة والسلطة في مجتمع واحد. فالوحدة قائمة، وحدة الصراع بين القوى الاجتماعية، يرتكز كل منها على أصول عقائدية يمكن أن تكون بؤرة توحيد جديدة تختلف عليها الفرق. فبدلا من أن تكون الوحدة علة فاعلة في البداية، والتفرق علة غائية في النهاية كما هو الحال عند القدماء، يكون التفرق هو العلة الفاعلة، والوحدة هي العلة الغائية في عصرنا. (3-1) الشعور البنائي (المذهبي)