تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتزداد الصعوبة عندما يتم الانتقال من مستوى الخيال العددي إلى مستوى الواقع الإحصائي. هل حدث إحصاء تاريخي، وانتهى إلى هذه الأعداد الدقيقة، سبعون، وواحد وسبعون، واثنان وسبعون، وثلاثة وسبعون، كأفضل ما يكون عليه القانون الطبيعي من حيث الدقة والرتابة والانتظام، أم أنه مجرد تحقيق الخيال العددي في الواقع عن طريق الانتقاء والاختيار؟ وبلغة المنطق، هل الإحصاء استقرائي أم استنباطي؟ هل هو إحصاء للفرق الماضية أم الحاضرة أم المستقبلة؟ وكيف يكون الاستقراء لفترة معينة في التاريخ؟ ومن الذي قام به، واحد أم مجموعة للأمم الأربعة في كل العصور؟ وماذا عن تاريخ الفرق اللاحق على الفكرة الموجهة؟ هل هو استقراء علمي للماضي أو الحاضر أم نبوءة للمستقبل؟ صحيح أنه يمكن القول بأن الفرق السابقة على الفكرة الموجهة أنماط مثالية تتكرر في كل عصر، وأن العدد المعطى حوى هذه الأنماط كلها سابقا ولاحقا. ولكن هذا القول يقتضي أولا حصر هذه الأنماط وجعلها ميسورة؛ فالأنماط التي تبلغ السبعين لا يمكن وعيها، كما تقتضي ثانيا إرجاع كل الفرق اللاحقة إلى الأنماط السابقة. وهذه خطورة كبرى؛ فقد لا يحدث اتفاق بين الفرق اللاحقة ونمطها السابق، وقد يغفل أحد أوجه الاختلاف ويظن أنه تشابه.

81

وكيف يظل العدد كما هو لا يزيد ولا ينقص في كل زمان؟ وكيف يمكن توجيه التاريخ في المستقبل بأفكار موجهة أخرى تشير إلى المستقبل وتحدد مساره، كما هو الحال في أحاديث المهدي المنتظر وفي حديث المجددين؟ والأفكار الخاصة بالمهدي تظهر عادة في المجتمع المضطهد، كما هو الحال في المجتمع الشيعي، تساعد على ظهوره خاصة إذا عينت الفكرة المهدي بالوصف أو بالرسم أو بالاسم.

82

وشتان ما بين الرؤيتين؛ الفكرة الموجهة تشاؤمية تقول بحتمية الاختلاف والشقاق، بينما الفكرة المهدوية تفاؤلية تقول بحتمية الخلاص والنجاة.

83

وهربا من عدم تطابق العدد المحدد نظريا مع الإحصاء التاريخي، يكون التمييز بين الأصول الثابتة التي تطابق العدد والفروع المتغيرة التي لا حصر لها، وهي قسمة من أصول الفقه في التمييز في الاجتهاد بين الأصول والفروع. ولكن حتى في هذه الحال، هل تظل الأصول كما هي؟ ألا تتغير بتغير التاريخ؟ هل يظل عدد الفرق كما هو ماضيا وحاضرا ومستقبلا؟ قد يستطيع الفكر في زمن معين أن يصل إلى كل الأنماط الممكنة، وكل الاختيارات البشرية، وكل ما يأتي بعد ذلك يدخل تحت هذه الأنماط؛ وبالتالي لن يأتي التاريخ بنمط جديد، وكل ما سيقع في المستقبل سيجد له نمطا في الماضي؛ فالتطور يدخل في البناء، والواقع يحكمه الفكر. ومع ذلك يمكن الرجوع إلى وحدة الفكر دون إدانة للتعدد وتكفير للفرق، وهي قوى اجتماعية وتيارات سياسية لا يمكن ضربها والقضاء عليها بإخراجها من الجماعة. وماذا عن الحضارات المجاورة التي دخلت الحضارة الأصلية وأصبحت جزءا منها؟ هل تدخل ضمن الفرق المحصاة؟ إن معظم المذاهب الوافدة كان لها ممثلوها داخل الحضارة الجديدة باعتبارها وارثة للحضارات السابقة. وأحيانا يتم إحصاء الفرق ليس فقط عند البشر، بل أيضا عند الجن؛ أي عند أمم أخرى؛ أي في مظاهر حياة في كواكب أخرى؛ فالإنس شامل للجن! وإذا استحال حصر فرق الأنس، فالأولى استحالة حصر كل تفرق وتشتت في الكائنات الحية. وهل يوجد مكلفون عاقلون خارج الإنس؟ ولماذا لم تحص فرق المجوس واليهود والنصارى؟ قد يكون الدافع إلى ذلك عدم وجود صراع على السلطة في هذه الفرق بعكس المسلمين؛ مما يوحي بأن إحصاء الفرق والحكم بهلاكها إلا واحدة إنما هو في جوهره صراع سياسي بين السلطة والمعارضة. أما إحصاء الفرق في سبعين، فهو أحد مشتقات العدد سبعة، وهو عدد رمزي في تاريخ أديان الشرق، سبعون شيخا ترجموا التوراة السبعينية، سبعون تلميذا للمسيح، السبع فواتح في كتاب الإعلان في العهد الجديد، سبعون مرة للاستغفار، الحروف السبع للقرآن، الأئمة السبعة. بل يشير العدد أيضا إلى ظواهر طبيعية تتفق مع الظواهر الروحية، مثل الأيام السبعة والسموات السبع والأرضين السبعة ... إلخ. وقد لا يعني العدد الضبط الإحصائي بقدر ما يعني التعدد.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٥٢