تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

72

وإذا كان من الهجوم والدفاع بد فلم تعد المادة الكلامية القديمة وحدها مصدر الخطر إلا بقدر ما ترسب منها في الوعي القومي، ولكن أصبحت أيضا المادة الكلامية الجديدة الواردة من الحضارة الغربية وتترسب في أذهان المثقفين؛ لذلك يقوم علم الكلام في الحركات الإصلاحية الحديثة بمهمتين؛ الأولى تصفية القديم، والثانية الرد على الشبهات الجديدة الواردة من الحضارات المعاصرة.

73 (2-3) الإحصاء العددي

هل يمكن الاعتماد على التاريخ الموجه لإحصاء الفرق؟ وإلى أي حد يتفق هذا الإحصاء الموجه مع الموضوعية التاريخية؟ تتسم الفكرة الموجهة أحيانا بعدم الاطراد؛ فهي مرة تعدد الفرق وتحدد الفرقة الناجية على وجه العموم؛ مما يتيح لكل فرقة اعتبار نفسها الفرقة الناجية، وتصنيف الفرق المعارضة على أنها الفرق الضالة.

74

ومرة أخرى تحدد الفكرة الموجهة الفرقة الناجية وتبين أوصافها، بل وتعين طريقها، وتذكر اسمها؛ مما يوحي بأن الفكرة الموجهة على هذا النحو هي من وضع الفرقة الناجية. فإذا صعب ضبط العدد والإحصاء تاريخيا فإنه يلجأ إلى العقل الخالص؛ فالعقل هو وسيلة وضع الحقائق وإثباتها. وإجماع العقول على قوانين ثابتة مثل مبادئ الهوية وعدم التناقض والثالث المرفوع، مبادئ عقلية خالصة أقر بها السمع! والفكر الموجه هو الفكر النمطي الذي لا يمكن تصالحه أو تواطؤه مع أي فكر آخر، وهو في الوقت نفسه المقياس والمعيار والمحك.

75

تتحدد الفرقة الناجية إذن ويتعين الصواب عقلا؛ وبالتالي ترجع الفرقة إلى وحدة يصدقها العقل. فإذا كانت الوحدة الأولى التي قدمها الوحي قد تشعبت بفعل المواقف الإنسانية المتشعبة والاتجاهات المتعارضة، فإن ذلك كله يرجع إلى وحدة ثانية يصنعها العقل.

فإذا كان علم الكلام هو تاريخا للفرق من أول الخلق حتى الآن، فكيف يمكن حسابها وإحصاؤها وعدها؟

76

هنا يتدخل رمز العدد كما تدخل من قبل رمز العصيان في تصنيف المادة الكلامية، سواء من حيث الفرق أو الموضوعات. وغالبا ما يكون العدد سبعة، وهو العدد الرمزي المعروف في الديانات الشرقية القديمة؛ فالنظرية الرياضية تحكم المادة الكلامية وتضبطها، وتعطيها نوعا من العقلانية والإدراك، والحصر الحسابي طريق للحصر الكلامي، وفلسفة الحساب قادرة على أن تكون أساس فلسفة الإحصاء؛ وبالتالي يجتمع العقل والخيال لضبط مسار التاريخ.

77

وباللجوء إلى الحساب، وهو الأمر الصوري الخالص، يأمن الكاتب ظهور أجنبيته وأعجميته في العلوم الدينية العقلية. كما أن ميزته ضبط الأفكار وعدها، وعدم الوقوع في الحشو والاستطراد، وترك الحواشي على الرسم المعهود، وهو تاريخ وتوجيه، يعطي القسمة ويحدد مسار الفكر. وقد يجتمع علم الحساب وعلم الكتابة في وضع خطة البحث.

78

وتكون النظرية العقلية منتجة إذا استطاعت إيجاد الدلالة لمضمونها، وهي المادة الكلامية. أما إذا كانت مجرد تحصيل حاصل تجعل من صورتها مضمونها، فإنها لا تنتج شيئا. حينئذ يحال إلى علم العدد كعلم مستقل. وأحيانا يتدخل العدد للتحديد الكمي للأبواب والفصول.

79

والفكرة الموجهة ليست مضبوطة دائما؛ فقد تشير إلى فرق الديانات الأخرى. المجوس ستفترق إلى سبعين، واليهود إلى إحدى وسبعين، والنصارى إلى اثنتين وسبعين، والمسلمون إلى ثلاث وسبعين، حتى تكتمل صورة الوحي في كل مراحله. وقد تشير إلى المسلمين فقط اكتفاء بالوحي في آخر مرحلة. فإذا أشارت إلى الديانات السابقة، فهل هذا العدد واقع بالفعل أم أنه مجرد افتراض عقلي أو محض خيال؟ إن إظهار الترتيب على هذا النحو التصاعدي يوحي بالارتقاء والتطور والزيادة المفتعلة حسابيا.

80

وهي في الحقيقة ليست زيادة؛ لأن الفرقة الزائدة هي الدين الجديد. فاليهود هم المجوس السبعون بالإضافة إلى اليهود، والنصارى هم المجوس السبعون بالإضافة إلى اليهود والنصارى، والمسلمون هم المجوس السبعون بالإضافة إلى اليهود والنصارى والمسلمين. فالأساس هو العدد سبعون، ولماذا يكون الارتقاء بزيادة فرقة واحدة؟ وهل الفترة الزمانية بين المجوس واليهود أو بين اليهود والنصارى أو بين النصارى والمسلمين لا تسمح إلا بزيادة فرقة واحدة، وهي في النهاية الجديد، أي لا زيادة بالمرة؟ وهل خلاف المسلمين مثل خلاف الأمم السابقة، المجوس واليهود والنصارى، وقد أتى الإسلام لحسم الخلاف بين الملل، والتركيز على وحدة الأمة الشبيهة بوحدانية الله؟ أليس المسلمون أولى بقلة الخلاف؟ وكيف يوضع المجوس مع ديانات إبراهيم الثلاث، خاصة وأنها لا تعيش في الوجدان القومي مثل اليهودية والنصرانية؟ هل يكون ذلك أسوة بالفقه، وبأنهم مثل أهل الكتاب؟ وإذا كانت هناك صيغ بها المسلمون وحدهم، فإن إدخال المقارنة مع الأمم السابقة على هذا النحو التصاعدي الذي يوحي بالتقدم، وإن كان في الخلاف، يلهب الخيال، ويجعل الحديث أكثر إغراء من حيث التنبؤ والترتيب والإيقاع والموسيقى. وهناك أحاديث نمطية أخرى تضع المراحل السابقة للنبوة في رؤية واحدة؛ اليهود إلى منتصف النهار، والنصارى حتى العصر، والمسلمون حتى العشاء.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٥١