تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12

وقد تم استبعاد التكرار قدر الإمكان باستثناء التصديق كاستدلال، فالاستدلال معرفة. ومع ذلك فإنه معرفة من نوع خاص. أما الاحتمال الأول، هل الإيمان تصديق دون معرفة؟ فقد تكرر ذلك من قبل في تحليل المعرفة، هل الإيمان معرفة دون تصديق؟ لا يوجد تصديق بلا معرفة، وإلا كان مجرد إيمان أعمى دون برهان.

13

الوجدان نظر شعوري، والتصديق عمل عقلي. الوجدان فكر شعوري، وإلا فهو انفعال أعمى، وهو ومزاج. ولا يكون الوجدان وحده أساسا للعمل؛ لأنه يفتقد الوعي النظري بالسلوك. المتعصب وحده هو الذي يقيم سلوكه على وجدان دون نظر، والمتآمر هو الذي يسلك بناء على تعصب في صمت دون إعلان. إن التصديق لا يكون إلا تصديقا بشيء، ولا يمكن أن يعرف هذا الشيء إلا بالنظر، وإلا كان تصديقا بشيء مجهول، واستحال التفريق بين الأشياء.

14 (2-1) هل الإيمان تصديق دون إقرار؟

إذا كان التصديق قد قام أساسا على البرهان النظري وتحولت الشهادة الباطنية، بالتجرد والعقل، إلى طاقة حركية، فما أسهل بعد ذلك أن تتخارج في القول؛ وبالتالي يتحول التصديق إلى إقرار؛ لذلك يصعب التفرقة بين التصديق والإذعان. فما دام التصديق قد قام على أساس معرفي، وكان الوجدان مرتبطا بالإرادة والنزوع، فإنه يصعب التفرقة بين التصديق والإقرار؛ فالإقرار إعلان عن التصديق، وانتقال من التصديق الخارجي، أي الصدق مع النفس، إلى التصديق الخارجي، أي الإعلان، إعلان المسافة بين المثال والواقع.

15

إن الفصل بين التصديق والإقرار إنما يتم فقط في حالة الإكراه، عندما يقول الإنسان بلسانه ما لا يعتقد به في قلبه، وإلا كان الأمر نفاقا في غير حالات الإكراه، بل إن الإقرار هو السبيل إلى تطبيق الأحكام الشرعية. ولا يمكن مطالبة الصدق بالطاعات، أو تطبيق الحدود قبل الإقرار والإعلان. الإقرار إذن هو الإظهار، ولولا الإقرار بعد التصديق لظل الأمر سريا، ولما بدأت عملية الصراع الاجتماعي. (2-2) هل الإيمان تصديق دون عمل؟

إذا كان الإيمان تصديقا يقوم على برهان نظري، ويتخارج في القول، فما أسهل بعد ذلك أن يتخارج في العمل؛ وبالتالي تكتمل أبعاد الشعور في بعديه الداخليين، المعرفة والتصديق؛ وبعديه الخارجيين، القول والعمل. التصديق بلا عمل ضيق نفس، وطاقة مختزنة، وإمكانية بلا تحقق، وسيلة بلا غاية، طريق بلا هدف. وكيف يكون الإيمان كاملا بلا عمل، وقد اقترن العمل بالإيمان في أصل الوحي، والإيمان بلا عمل كصورة بلا مضمون، كما أن العمل بلا إيمان كمضمون بلا صورة، بل وفي حالة الاختيار فالعمل بلا إيمان أفضل وأبقى من الإيمان بلا عمل، فالمضمون بلا صورة أفضل وأبقى من الصورة بلا مضمون. وليس العمل فقط هو المحبة والولاية، بل قد يكون الكراهة والعداوة، فمحبة العدل مثل كراهية الظلم، وولاية للحق تتضمن العداوة للباطل. وإن مقاومة الظلم والتخلف والاستغلال قد تكون شرطا للعمل من أجل العدل والتقدم والمساواة. النفي شرط الإثبات، ومقاومة السلب شرط تحقيق الإيجاب؛ لذلك لا يمكن تأجيل العمل على الإيمان أو تأخيره عنه.

16

العمل تحقيق للتصديق وتعبير عنه. والتصديق الذي لا يتخارج في العمل يولد ميتا، ويفقد مصادر طاقته وتفاعله مع العمل. لا يكفي العمل المحبة والخضوع والتسليم، بل والطاعة، فهذه أعمال سكونية خارجية صورية آلية أثر من آثار التصوف على العقيدة بعد ازدواج التصوف مع الأشعرية عند المتأخرين. قد يكون لإخراج العمل مدلول سياسي لاكتفاء الناس بالإيمان، وإسقاط العمل تحقيقا للاستسلام النهائي، وأمانا من الثورة. أما الاختيارات الأخرى فهي أيضا مكررة، مثلا: هل الإيمان تصديق وإقرار دون معرفة وعمل؟ إذا أصبح الإيمان تصديقا مصحوبا بالإقرار، أي تجربة داخلية تتحول إلى تعبير خارجي، فما أسهل بعد ذلك أن يكتمل التحقيق، فيتحول النظر إلى عمل. واكتمال التصديق بالمعرفة يؤدي بالضرورة إلى اكتمال القول بالعمل. وبدلا من أن يتحول نصف الطاقة، أي التصديق، إلى نصف الحركة، أي العمل، تتحول الطاقة كلها، أي التصديق والمعرفة، إلى الحركة كلها، أي إلى القول والعمل.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٤